‏إظهار الرسائل ذات التسميات احمد توفيق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات احمد توفيق. إظهار كافة الرسائل

سلام يا شيخ محمد

سلام يا شيخ محمد
قصة أخرى من القصص التي لا تحدث إلا في ميكروباص عائد لطنطا، ولا تحدث إلا بعد منتصف الليل، ولا تحدث إلا معي.

عندما تصمم على أن القاهرة لا تصلح لقيادة السيارات ولا تصلح لأي استعمال آدمي أصلاً، فعليك أن تدفع الثمن، وهذا الثمن قد يتطلب ركوب الميكروباص بعد منتصف الليل لأنه لا توجد قطارات، بينما السائق المسجّل خطر والذي لا يحمل رخصة، والذي يحمل ندبة مطواة على خده، والذي أفرغ زجاجة التوسيفان في جوفه منذ خمس دقائق.. هذا السائق يعدّ الركاب في الظلام بعينين لا تريان تقريبًا. السؤال هنا: هل يعيش هؤلاء السائقون حتى يروا طنطا؟.. يُخيّل لي أنهم طابور طويل لا ينتهي.. ينطلق كل منهم بالميكروباص.. ينقلب ويموت.. فيقول ريّس الموقف الجالس يدخن الحشيش في غرزة شيحة:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. الله يرحمك يا (حبارة).. يلّا دورك يا (شيحة).

فيبتلع (شيحة) قرصين من البرشام، وينهي لعبة (البرغوتة) التي كان يلعبها، ويهرع ليقود الميكروباص التالي..
حشرت نفسي في ميكروباص الموت هذا، وكانت أمامي امرأة ريفية من الطراز الذي أنجب قردًا لا يكف عن البصق على الناس والسباب والوثب وجذب النظارات.. وهي تقول له في ملل:
ـ عيب يا وله.. ما تضايقش الأستاذ...

بالطبع ليس هذا رأي الصبي؛ لأن فكرة أن يكون المرء أستاذًا تبدو له مضحكة جدًا. هل من نجدة؟ هنا جاءت النجدة في أغرب صورة..

هذا الشاب الضخم أسود البشرة لامعة كالباذنجان، يلبس فانلة داخلية تبرز منها عضلات مرعبة، والذي امتلأ جسمه بالوشم الأخضر. أصلع الرأس تمامًا يدس سماعتي جهاز (آي بود) في أذنيه ويمشي في تؤدة ليركب الميكروباص، فيحشر جسده العملاق جوار السائق. لو كنت قد رأيت العملاق الزنجي (مايكل دونكان) في فيلم (الميل الأخضر) فقد أرحتني من الوصف.

عرفت على الفور أنه ليس مصريًا.. ليس عربيًا.. إنه زنجي أمريكي.. يبدو كرابر rapper من الذين نراهم في الكليبات يتكلمون بلا توقف، وهم يهاجمون الكاميرا في تعصب كأنها ضايقتهم بشيء ما، ويأتون بحركات غريبة جدًا بأصابع أيديهم..

رفع سماعة الجوال وتكلم مع أحدهم، فميزت اللهجة الأمريكية على الفور. من أين جاء هذا الفتى وماذا جعله يركب هذا الميكروباص؟ لابد أن وراءه قصة مسلية ما..

بالطبع صار هو تسلية القرد الصغير المزعج، وسرعان ما مد الصبي يده لينزع الجوال ليلعب به.. قالت أم الصبي كلمة متخاذلة أخرى:
ـ عيب يا وله... متضايقش الخواجة...

لكن الأخ الإفريقي الأمريكي هز رأسه في تسامح، وقال بعربية لا بأس بها:
ـ سيبيه.. سيبيه.. هو ولد صغير.. هو عايز يلأب..

رحت أراقبه في مقت.. أمقت مطربي الراب ومن يبدون مثلهم كالجحيم. فيهم غرور لا مبرر له، وتعالٍ بلا أية مقومات.. لا أجد في أدائهم صوتًا ولا لحنًا ولا أي شيء، دعك من ارتباطهم في ذهني بالمخدرات والجنس.. لا ترى أغنية راب واحدة دون أن تجد حول المطرب مائة فتاة شبه عارية تتلوى، ويبدو أن تاريخ البطن والصدر كعورتين يجب تغطيتهما قد انتهى. والكلمات نفسها فضيحة لو استطعت أن تتابعها.. المطرب فيه وقاحة وتحدٍّ وقلة أدب، ومن الواضح أنه ضد القيم والقانون وكل شيء. وكنت أتساءل دومًا من أين يأتون بكل هذا الغرور؟.. هل العنصرية المضادة بلغت حد الاشمئزاز من كل ما هو أبيض؟

ابني المراهق يرى العكس تمامًا، ويعتقد أن هذه الضوضاء هي أروع شيء جاد به العقل البشري منذ عصر شوبان، لكنني أضيق عليه أيما تضييق وأمنعه من.....

لكن كم الساعة الآن؟ نصف ساعة بعد منتصف الليل، والولد قليل الأدب في الفراش الآن يتأهب للنوم. هذه فرصة أروع من أن تضيع.. مطرب راب أو واحد يبدو مثلهم بالضبط في ميدان رمسيس.. لن يفلت من يدي. ملت على العملاق الأسود، وسألته بالإنجليزية إن كان يحب الراب؟؟ فقال بالعربية في حماسة:
ـ طبعًا.. أنا كنت أغني راب في نيويورك.

إذن هو المطلوب! قلت له إن ابني يهيم حبًا بالأفارقة الأمريكان، ويتمنى لو صحا من النوم ليجد نفسه أسود أصلع ضخمًا مليئًا بالوشم مثلهم، دعك من أن الفتيات البيض يهمن حبًا بكم.. قلتها بالعامية الأمريكية كما يقولونها في الأفلام:
"White chicks just dig you guys"

فهز رأسه ولمعت عيناه في ثقة ورضا.. لم يعتبرها مجاملة بل حقيقة كونية.. قلت له إن ابني سوف يطير فرحًا لو تكلم معه لبضع دقائق، ولم أتركه يفكر كثيرًا إذ طلبت ابني على الجوال، وقلت للصبي المندهش المذعور:
ـ موهامد... كلم عمو.. هي إز أ رابر...

لسبب ما وجدت نفسي أنطق اسم ابني (موهامد) ولا أعرف السبب. ووضعت السماعة على أذن الإفريقي المندهش، ودارت محادثة إنجليزية طويلة مرحة.. سمعت أسماء مجموعة (الصيع) التي يعشقها ابني، مثل (50 قرشًا) و(توباك) و(إيكون).. تبين أن هذا الأخ كان في عصابة شوارع مع (ماد دوج) -هل هذا اسمه؟- ما شاء الله.. لكن المهم أن ابني سعيد جدًا.. أخيرًا تشرف بالكلام مع رجل عصابات زنجي من نيويورك..

انتهت المكالمة أو انتهى الرصيد لا أذكر، لكن الأخ الإفريقي ناولني الهاتف وصاح بالإنجليزية في مرح:
ـ يا للسماء!.. إنه خبير في الراب والهيب هوب!!
هنا سألته عن اسمه فهز رأسه الأصلع وقال ضاحكًا:ـ
موهامد.. نفس الاسم..!
ـ هل أنت مسلم؟
قال بالإنجليزية ضاغطًا على كلماته:
ـ منذ عامين.. والإسلام يجري في عروقي مجرى الدم.

إذن هذا التاريخ الضخم هو تاريخه قبل أن يعتنق الإسلام.
هنا كان سائق الميكروباص قد توقف أمام أحد رجال شرطة المرور.. كلمات هامسة، ثم دس ورقة مالية ما في يد الشرطي وعدنا نتحرك.. المشهد اللعين المعتاد..

بالطبع لاحظ الجميع ما حدث، وقدرت أن الأمريكي لا يفهم معنى هذا، لكنه صاح في غضب حقيقي:
ـ رشوة..!.. الرشوة هرام!!
ثم قال للسائق في وقار كأنه إمام مسجد:
ـ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.

راح السائق يشرح له بلسانه الملتوي من التوسيفان كيف أن العسكري غلبان، وهو غلبان وكلنا غلابة ولابد من تمشية الحال، لكنه راح يردد:ـ من غشّنا فليس منا.

وراح يتكلم في الدين طيلة الرحلة الرهيبة إلى طنطا. لاحظت مع الوقت أن آذاننا احمرت؛ لأن الرجل يناقش أشياء منطقية وواضحة اعتبرناها مسلمات. حتى أن ركاب العربة بدؤوا يطلقون عليه (شيخ محمد)، وعرفت أنه متديّن ومثقف دينيًا جدًا. عرفت كذلك أنه في مصر يجوب مدنها لإعطاء دروس اللغة الإنجليزية لطلبة الآي جي.ما أغرب هذا الموقف!.. الأخ الأصلع الأسود الذي اعتبرته من عصابات مانهاتن تبيّن أنه أعلمنا بالدين على ما يبدو. ولا أنكر أنني شعرت بإعجاب شديد به، فهذا رجل قد بحث وفكر واختار.. فلا أزعم أنني أستحق أن أصافحه. سوف يندهش ابني كثيرًا عندما يعرف بقية المشهد.

عندما افترقنا تبادلنا أرقام الهاتف وقال لي ضاحكًا:
ـ سوف أحكي لابنك الكثير عن (توباك) عندما نلتقي.. سلام..
قلت له وأنا أبتعد:
ـ سلام يا شيخ محمد.. ادع لنا!!
د.أحمد خالد توفيق

أنا لم أتغير.. الحياة تغيرت

أنا لم أتغير.. الحياة تغيرت
هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم: ذهب مع الريح.. وشاهدته عشرات المرات. فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير !.. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًاهذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟
*******
في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف والخروف بحجم ديناصور ترايسيراتوبس، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حياً كاملاً من أحياء دمنهور -حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى
كنت أستمع -أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه. وقد بدا لي خيطاً لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟.. دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال.... إلخ
حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاجني العبقري و... و... على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال
نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة! وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟
لكن أبي -رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة
*******
اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير. قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى... أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينيات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت. أغاني البيتلز والآبا والبي جيز (خنيقة) جداً في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينيات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني..
طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا..لن يفهمها ولو بعد مائة عام
قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إجلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد
نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظركأذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر. للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود
*******
أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى.. من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم
نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة. ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟ أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!
الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة.. لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت
*******
ربما صار شمي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة
نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شاباً على أن أكون ناضجاً، لهذا أقول لك بكل صراحة: الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟
*******
-د.أحمد خالد توفيق-
مجموعة بريدية
طارق فاروق