المُفسِدون في الأرض (2)

المُفسِدون في الأرض (2)
هكذا يعتقد متطرفو اليهود.. قتل غير اليهودي حلال!
أن تعتبر نفسك واحداً من "شعب الله المختار", أن ترى أنك وبني قومك بشر لكم حقوق وتطلعات ومن سواكم "أغيار" لا حقوق لهم على الإطلاق, أن يُصبِح مبدأك أن "الكل أعدائي.. الكل يريدون محاربتي والقضاء عليّ، ولكي أحمي نفسي يجب أن أعاملهم بأعتى أنواع الأذى والخداع وتزييف الحقائق", أن تُحَوِل دينك من رسالة سماوية عليا راقية نزّلها الله ليجعل من الإنسان كائناً أرقى, إلى عنصرية وتعصب وتحفز ورفض دائم للآخر..ماذا يكون هذا إلا فسادًا جديدًا في الأرض؟

نقطة التحول

عندما غزا نبوخذ نصر -الملك البابلي- مملكة يهودا, دمّر أورشليم وخرّب الهيكل وأحرق التوراة، وقسّم اليهود المأسورين ثلاثة أقسام, قسم استعبده وقسم قتله والقسم الأخير حمله معه إلى بابل فيما يُسمّى "السَبي البابلي". تلك التجربة القاسية -وما سبقها من تجارب عنيفة مع الآشوريين والمصريين من قبل- أحدثت في عقلية نسبة ضخمة من اليهود تغييرًا جوهريًا بقيت آثاره العميقة حتى الآن.

الخوف الدائم من الآخر, الافتراض المطلق لسوء نوايا المحيط, الاستعداد للإيذاء لمجرد الشك, استباحة الخداع والغش والإضرار بالآخرين لمجرد أنهم كذلك, الوحشية المفرطة في استخدام العنف مع الخصم, كلها صفات سعى رجال الدين اليهود -آنذاك- لنشرها بين قومهم, اعتقادًا منهم أنهم بذلك يُحدِثون في الشخصية اليهودية التغيير المنشود ليصبح الشعب اليهودي أكثر قدرة على التفاعل مع محيطه, خاصة بعد أن هزم قورش -مؤسس الدولة الفارسية- مملكة بابل وحرر اليهود ونقلهم إلى أرض فلسطين مجددًا. ومن المعروف أن تلك المنطقة كانت -ولفترة طويلة جدًا- ممرًا هامًا لجيوش الممالك الكبرى وساحة للمنافسة بين دول العراق ووادي النيل ومنطقتيّ الشام والأردن؛ الأمر الذي أدركه كبار رجال الدين والسياسة اليهود ورأوا أن السبيل الوحيد للتعامل معه هو تعديل الشخصية اليهودية بحيث تصبح أكثر تشككًا وعدوانية واستعدادًا للتعامل مع الآخرين بكل حدة ودون أدنى رادع عن استخدام أعتى ألوان العنف والتآمر.

ذلك التفكير كان متطرفًا للغاية وغير مُبرر, والدليل أن من بين الدول المجاورة لمملكة يهودا دولاً كانت تشغل مواقع متميزة مطموعاً فيها بشكل دائم بل وتعرضت بشكل مستمر لغزوات وهجمات, كالمملكة المصرية مثلا أو المدن الفينيقية, ومع ذلك لم تكن من سياسات حكومات تلك الدول أن تزرع في شعوبها ذلك النوع العنيف من "جنون الاضطهاد" الذي زرعه زعماء المملكة اليهودية في شعبهم.
شعب الله المختار والأغيار

اليهود كانوا من بداية بعثة موسى -عليه الصلاة والسلام- لهم, يؤمنون أنهم شعب الله المختار, وقد كانوا كذلك بالفعل, فقد كانوا وحدهم يؤمنون بالله في عالم اعتنقت فيه الشعوب مئات الآلهة من دونه عز وجل.

وقد تعددت التفسيرات لنظرية "شعب الله المختار"؛ فمنهم من قال: إنها بمثابة أمر إلهي من الله الذي اختار لليهود الذين اختيروا, ومنهم من فسرها بأنها تكريم من الله لليهود وتفضيل على العالمين. وآخرون قالوا: إنها مصير مكتوب على ما يسمى بأمة اليهود.
التفسيرات الثلاثة كانت تعني -لأي شخص عاقل- أن الاختيار يؤدي بشكل تلقائي ومنطقي لمسئولية على أكتاف المُختارين أن يكونوا عوامل نهضة للإنسانية؛ ولكن التلاعب والنظرة الضيقة للأمر جعلا كبار اليهود يأخذون من الاختيار شِق التشريف دون شِق التكليف, ونشروا بين شعبهم فكرة أن "اليهود لا تنطبق عليهم أحكام التاريخ"، وبالتالي فإن من حقهم أن يفعلوا كل ما يرون أنه في مصلحتهم دون خوف من إدانة تاريخية تسري على غيرهم إذا أخطأ.

الفساد الفكري لم يكن في مجرد وجود الإيمان باختيار الله للشعب اليهودي؛ ولكن في تفسير وتعريف المتطرفين من اليهود لذلك الاختيار. فبعد أن كان يعني وضع المسئولية الإلهية عليهم لنشر عبادة الله بين الأمم, أصبح يعني لهم التعصب للذات واحتقار من سواهم -أو من سماهم اليهود بـ"الأغيار" (جوييم)- واستباحة العدوان على دم ومال وعرض هؤلاء الأغيار, باعتبارهم "كائنات أقل منزلة من الإنسان اليهودي". وبعد أن كان تكريم الله للنفس البشرية، والأمر بصونها مستمدًا من إنسانية صاحبها بغض النظر عن جنسه ودينه وعرقه, أصبح يقتصر فقط على من كان يهوديًا؛ مما جعل العدوان على دم ومال وعرض غير اليهودي عملاً غير محرم؛ بل ربما كان مطلوبًا ومأمورًا به حسب فتاوى بعض أحبار اليهود.

ولأنهم اعتبروا أنفسهم الممسكون بمفاتيح اللعبة, سعى كبار اليهود للتلاعب بالقوانين؛ بحيث تفرق في الجزاء بين العدوان الواقع من يهودي على يهودي ومن يهودي على أحد الأغيار, بحيث تشدد العقاب على النوع الأول وتخففه -أو ربما ترفعه تمامًا- عن النوع الثاني.

ولكي يكون لتلك العملية الكبرى في تزوير الدين سند شرعي, وضع بعض رجال الدين اليهود -أثناء فترة السبي البابلي- تفسيرًا للأوامر الإلهية التوراتية والموسوية بشكل عام أطلقوا عليه اسم "التلمود", وهو لفظ مستمد من الكلمة العبرية "لامد" بمعنى "الدرس والتعلم"، اختلفت نسخه من حيث المساحة والتناول ولكنها اتفقت من حيث أنها تحتوي على الكثير من المواد التي تكرس التعصب الديني والعرقي وتزرع روح العنصرية في شخصية اليهودي المؤمن بالتلمود الذي تعتبره نسبة لا بأس بها من اليهود كتابًا أكثر قدسية من التوراة ذاتها!

ذلك التزوير في صميم الدين اليهودي, متلازمًا مع ما لرجال الدين من مكانة لدى مجتمعات الشرق القديم بشكل عام, وكذلك مع الاتجاه الطبيعي لليهود للتعلق بالروحانيات والميل للتدين خلال أزمة سبيهم وما تلاها, أديا لعملية تغيير نفسي وفكري ضخمة في شخصية معظم اليهود, بقيت آثارها حتى يومنا هذا ولكن بصور أكبر وأعمق.

الدولة الوظيفية

معظم اليهود, فيما بعد مرحلة السبي, أصبحوا شخصيات مصابة بالبارانويا, تنتظر دائمًا الأذى وتتوقعه من الآخرين وتتوجس منهم؛ مما جعل للجماعات البشرية اليهودية سمات خاصة, سواء كانت في شكل دول مستقلة أو شبه مستقلة, أو كانت في شكل جماعة تعيش كجزء من بنيان دولة.

وما كان سائدًا في العالم القديم هو شكل الدولة اليهودية كدولة وظيفية, أي دولة تنشأ وتعيش في ظل حماية دولة أو دول أكبر, ساهمت في بناء ودعم تلك الدولة لكي تؤدي وظيفة واضحة.

هذا ما كان من مملكة يهودا, فيما بعد التحرر من السبي, فخلال عهود الصراع بين ورثة الإسكندر الأكبر -السلوقيين في الشام والبطالمة في مصر- لعبت الدولة اليهودية دور الخادم المطيع لكلتا الدولتين الكبيرتين, حسب تفوق كل منهما, فإذا ارتفعت أسهم البطالمة, هرع إليهم كبار اليهود مقدمين فروض الطاعة والولاء, وإذ تفوق السلوقيون, سارع نفس الكبار لإعلان خضوعهم التام لهم. وتطور الأمر بشكل أكبر خلال عهد سيطرة الرومان على الشرق القديم؛ فقد لعبت الدولة اليهودية دور الجندي المخلص للسادة في روما, وذلك بضرب جيرانها لصالح الرومان ليسهل على هؤلاء الآخرين احتلال المنطقة دون مقاومة تذكر.

ذلك الدور المدمر للمملكة اليهودية لم يكن -بالتأكيد- العامل الأساسي في سقوط الشام ووادي النيل تحت الاحتلال الروماني البشع؛ ولكنه كان عاملاً يشير لمدى سوء نوايا تلك الجماعة البشرية واستعدادها للغدر بجيرانها "الأغيار" ظنًا بزعمائها أنهم بذلك ينقذون الشعب المختار من "الأغيار الآخرين", أي أن الأمر كان يجري من منظور "ضرب الأغيار بالأغيار". ذلك الدور كان نتيجة طبيعية للعبث الفكري المنظم بمعتقدات اليهود, من قِبل كبار علماء دينهم, وجعلهم يؤمنون بأن كل شيء مباح مع الآخرين طالما أنه يحقق مصلحة الشعب اليهودي الراقي.

الثمن

ولكن لتلك السياسة ثمن باهظ دفعه الشعب اليهودي. فذلك الدور الذي فرضه كبارهم على شعبهم خلق حالة من "توقف التاريخ". فبخلاف جيرانهم, لم ينتج اليهود -آنذاك- ثقافة حضارية كما فعل المصريون والفينيقيون والبابليون والأنباط؛ بل اقتصر دورهم على ضرب الآخرين والتعرض للضرب منهم؛ مما وطد الفكرة السائدة عنهم وقتها كجماعة لا تجيد سوى التدمير والقتال لأجل الآخرين, أي أن زعماء اليهود حولوا شعبهم بالكامل لمرتزقة لصالح غيرهم, وبدلا من أن يتعاونوا مع جيرانهم لطرد المحتل الروماني وخلق عملية تبادل حضاري شرقي كبيرة -كما كان يفعل هؤلاء الجيران- أصبحوا بمثابة معول هدم للأمم المجاورة؛ بل ولأنفسهم, فمعنى تحولهم لـ"دولة وظيفية" هو أنهم اختاروا ربط وجودهم بوظيفة محددة, طالت فترتها أو قصرت, مصيرها الانتهاء.

وهذا ما حدث, فبعد أن لعبت مملكة يهودا الدور الكبير في ضرب البطالمة والسلوقيين (خلال فترات ضعفهم وصعود نجم الرومان) وكذلك إضعاف الأنباط, وبعد أن استقر النسر الروماني على الشرق بشكل كامل, أصبح الشعب اليهودي في فلسطين مجرد عالة على روما التي أدارت وجهها له بالتجاهل أولاً, ثم كشرت له عن أنيابها وأحدثت في اليهود مجازر ومقاتل عنيفة، وانتهى الأمر بأن طرد الرومان اليهود خارج أرض فلسطين وحرموها عليهم, حتى فتحها العرب في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وسمحوا للعائلات اليهودية بالعودة إليها.

الخيط الممتد

كل تلك الكوارث التي حلت بالشعب اليهودي قديمًا كانت نتيجة طبيعية للتزييف الذي تعرضت له معتقداته عل يد قادته, تلك الجريمة التي امتد أثرها في شكل خيط طويل عبر التاريخ إلى يومنا هذا، وأصبح جزءًا من ثقافة نسبة ضخمة جدًا من اليهود. وبرغم أنهم عاشوا في سلام في عهد الحضارة الإسلامية الممتدة من الصين والهند وسيبيريا إلى الأندلس والمغرب؛ إلا أن ذلك الجرح الغائر الذي أحدثه بعض الأحبار في بابل خلال سنوات السبي, بقي أثره متوارثًا لدى بعضهم. فصحيح أن العهد العربي الإسلامي قد شهد اندماج الجماعات البشرية كلها -بما فيها اليهود- في نسيج الدولة, ومدى إسهام اليهود العرب في بناء الحضارة وصدق رغبتهم في الاندماج والذوبان في البنيان الحضاري العربي, إلا أن الفكرة المتطرفة لـ"الشعب المختار والأغيار" بقيت كورم سرطاني كامن ينتظر اللحظة المناسبة للتوحش والخروج, كأي فكر متطرف لأي جماعة بشرية أو دينية أيًا كانت؛ فالتاريخ يعلمنا أن التطرف لا يموت؛ بل يكمن.

ذلك الخيط وجد لنفسه غزلا ينسجه عندما انطلقت فكرة الصهيونية اليهودية وفكرة بناء الدولة الإسرائيلية الجديدة, كدولة وظيفية أيضًا رعتها دول كبرى هدفت من خلال تأسيسها لخدمة أغراض معينة. وكأنما لم يتعلم الذين نادوا بقيام الدولة, من اليهود, الدرس القديم. ولأن العرب من "الأغيار" فقد استباح الصهاينة أن يفعلوا كل شيء وأي شيء من أجل دعم هدفهم, من احتلال الأرض العربية بحجج واهية من نوعية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض", وتغيير هوية تلك الأرض لطمس أدلة كذب القائلين بأن فلسطين "أرض بلا شعب", وإخراج تقارير مفتراة تتهم -زورًا- الحكومات العربية, فيما بعد 1948, باضطهاد مواطنيها من اليهود وتنفيذ مجازر بحقهم, والقيام بعمليات تخريبية في الدول المجاورة, واستخدام القوة الغاشمة لضرب السكان الأصليين للأرض المحتلة.

كل تلك الجرائم يعتقد منفذوها أنها "حلال" طالما أنها بحقنا نحن "الأغيار". نعم.. هناك واقع عسير التصديق يقول: إن الصهيوني الذي يدير مذبحة أو ينفذ عملاً تآمريًا أو تخريبيًا يؤمن بشرعية ما يقوم به(!!) وأنه يخدم قضية عادلة مستعدًا للموت في سبيلها.

لا أقول إن كل اليهود يؤمنون بتلك الأفكار الهدامة -لا قديمًا ولا حديثًا- بل إن من بينهم الآن من قام لمقاومة تلك الآفات الفكرية بعد أن أدرك خطورة أثرها على اليهود والإنسانية كلها, كالبروفيسور الأمريكي اليهودي جوئل بنين أو كالمفكر الإسرائيلي د.إسرائيل شاحاك, وغيرهما. ولكن لأن صوت التطرف لا يحب أن يسمع سواه؛ فقد انطلقت الأبواق الصهيونية تهاجمهما، وكل من يفكر مثلهما, وتتهمهما بخيانة اليهودية وعصيان أوامر الله, في قلب متبجح للحقائق!

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} هكذا قال الله؛ لكن للأسف, يصر بعض البشر أن يخلقوا بحماقاتهم أوزارًا وهم يريدون -عامدين- أن يحملها أبناؤهم.. وذلك التعصب والتطرف الصهيوني الدموي المدمر هو حصاد تلك البذرة السامة التي زرعها بعض أحبار اليهود في بابل منذ آلاف السنين, ليحمل وزرها أبناؤهم وأحفادهم عبر العصور!
الكاتب: وليد فكري


-مصادر المعلومات:-
1- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: د.عبد الوهاب المسيري.
2- اليد الخفية: د. عبد الوهاب المسيري.
3- الجماعات الوظيفية اليهودية: د. عبد الوهاب المسيري.
4- الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: د. عبدالوهاب المسيري.
5- الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: د. إسرائيل شاحاك.
6- البداية والنهاية: ابن كثير.
7- محمد والذين معه: عبد الحميد جودة السحار.
8- اليهود في تاريخ الحضارات الأولى: جوستاف لوبون.
9- تاريخ اليهود في بلاد العرب: د. إسرائيل ويلفنسون.
10- تاريخ يهود النيل: جاك حاسون.
11- أساطير اليهود: لويس جنزبرج.
12- اليهود في فلسطين في العصرين البطلمي والسلوقي: د. هاني عبد العزيز جوهر.
13- الشرق الأدنى في العصرين الهيللينيستي والروماني: د. أبو اليسر فرح.
14- يهود العالم العربي, دعاوى الاضطهاد: د. زبيدة محمد عطا.
15- اليهود في العالم العربي:د. زبيدة محمد عطا.
16- أهل الذمة في مصر:د. قاسم عبده قاسم.
17- الأسطورة والحكاية الشعبية في العهد القديم: د.كارم محمود عزيز.

المُفسِدون في الأرض (1)

المُفسِدون في الأرض (1)
لا تسمح لـ "بروتاجوراس" بإقناعك بكلامه الفارغ!

إذا كان أول فساد في الأرض هو قتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالفساد الحقيقي بدأ من نشأة "الفكر" الذي سمح لقابيل أن يستبيح دم أخيه. نعم؛ فلا أكثر فسادًا في الأرض من فكر فاسد يقلب الظلم عدلاً والباطل حقًا والشر خيرًا..
عن المفسدين في الأرض.. عن كل من أفسد عقلاً ونشر فكرًا مختلاً.. نتحدث..
ولأن اليونان كانت قديمًا رائدة للفكر الحر, ومُصَدِّرة للأفكار الفلسفية -البنّاء منها والهدام- فلتكن البداية منها.


السفسطائيون

كلمة "سُفسطائي" كانت تعني -آنذاك- "المعلم"، وكانت تطلق على طائفة من المعلمين الجوالين المنتشرين في مدن اليونان قبل الميلاد بأربعمائة عام تقريبًا؛ حيث كانوا يمارسون عملهم لقاء أجر مادي.

وكانت مجالات تعليمهم متنوعة وفي ذلك الوقت كانت المدن اليونانية -بالذات أثينا- تشهد ثورة فكرية عارمة على الأفكار التقليدية المتوارثة، وعلى كل ما هو ثابت وراسخ في ضمير اليونانيين.

مشكلة تلك الدعوة أن ظاهرها جذاب؛ بينما هي في الحقيقة تهدد بدمار المجتمع؛ فهدم كل ما بُنيَ عليه -بلا استثناء- يعني هدم أسسه وإقامة حاجز بين ماضيه ومستقبله؛ بالإضافة لصعوبة اتفاق الثائرين على مبادئ واحدة يبنون عليها المجتمع الجديد؛ مما يعني أن تلك الحركة بدلاً من أن تكون حركة تجديدية لما هو موجود، أصبحت حركة هدامة تعيد مجتمعها قرونًا إلى الوراء، إلى ما قبل اتفاق أفراده على القيم والأسس التي أقاموه عليها من البداية.

السُفسطائيون التقطوا تلك الثورة على الثوابت، وقرروا إذكاءها وركوب موجتها؛ فأنشأوا فكرهم الفلسفي الذي اشتهروا به على مر التاريخ. وظهر بينهم الرواد في هذا الفكر وأشهرهم "بروتاجوراس" و"جورجياس" و"بروديكوس" و"هبياس", وأخذوا على عاتقهم مهمة تعليم الشباب طرق الوصول لتحقيق أعلى المكاسب السياسية والوصول لأرفع المناصب من خلال تعليمهم طرق اللعب بالألفاظ وكسب المساجلات الحوارية من خلال البراعة في البلاغة والقدرة على قلب الحقائق باستخدام المهارات اللغوية؛ بحيث يكسب تلميذهم النقاش لا لقوة حجته وعدالة قضيته؛ بل فقط لقدرته على استخدام اللغة وتصويراتها البلاغية وفصاحته بها في إقناع الآخرين بما يقول.
وكان هذا أمرًا مفيدًا -من الناحية النفعية البحتة- في ظل النظام الديمقراطي الثوري الناشئ الذي اختلت فيه مقاييس الصواب والخطأ ومعايير صلاحية هذا الفرد أو ذاك لهذا المنصب أو ذاك.

الفكر

كان فكر السُفسطائيون ببساطة يقوم على أن الإنسان هو مقياس كل شيء. فبعد أن كان الناس يؤمنون أنهم يعرفون الأشياء من خلال الحواس التي تراها أو تسمعها أو تشمها أو تلمسها, والعقل الذي يترجم ما تتلقاه الحواس إلى إدراك لها ولطبيعتها, قال السفسطائيون بأن الإنسان هو الذي يحدد ماهية الشيء فضلاً عن وجوده من الأساس؛ فأنت إن رأيت شيئًا فهو موجود؛ حتى وإن لم يرَه غيرك، وإن لم ترَه فهو غير موجود حتى لو أجمع العالم كله على رؤيته، ولم يجعلوا تلك الفكرة منطبقة على الماديات فقط، بل عمموها وجعلوها تشمل -في الأساس- المعنويات من حق وباطل وعدل وظلم؛ فجعلوا الإنسان مقياسا لهذه الأشياء؛ فمن يرى في أمر ما عدلاً فليفعله؛ حتى وإن رآه آخرون ظلمًا، وإن رأى لنفسه حقًا في فعلٍ ما، فهو الحق؛ حتى وإن قال غيره إنه باطل طالما أن لديه قوة فرض هذا "الحق". وعلموا تلاميذهم أن يجيدوا الدفاع عن الشيء ونقيضه بنفس الحماس؛ بحيث يكسبون القضية على أساس التلاعب بالكلمات بشكل يربك خصمهم ويقنع الحكم بأن ما يقال هو الحق المطلق ولو كان باطلا، حتى أن أحد أساتذتهم وهو جورجياس قال: "ليس من الضروري أن تعلم شيئًا عن موضوع النقاش لتجيب عن السؤال المطروح عليك؛ بل يمكنك كسب المحاورة من خلال بلاغتك وفصاحتك"، مما يعكس طريقة تفكيرهم.

السقوط

الفكر السُفسطائي أدى لموجة عاتية من اختلال المعايير في المجتمع اليوناني القديم مما أثار خوف العقلاء والمحافظين من اليونانيين -بالذات الأثينيين- فثاروا على السُفسطائيين وطاردوهم في كل مكان وأحرقوا كتبهم، بالذات رائد المدرسة السُفسطايئة "بروتاجوراس" الذي شكك في آخر كتبه في وجود الآلهة؛ فخرج عليه أهل أثينا وأحرقوا كتبه، مما دفعه للفرار منهم إلى صقلية، ولكن المركب الذي استقله جرفته عاصفة قوية وحطمته، فغرق..

مأساة سُقراط

بعد هزيمة السُفسطائية، حاول سقراط أن يصلح ما أفسده ذلك التيار المدمّر، فكانت فلسفته تعتمد على المحاورات وطرح الأسئلة على مدعي الحكمة واحدًا تلو الآخر حتى يصل المدعي لمرحلة العجز عن الإجابة؛ فإما أن يعترف بجهله ويطلب العلم من جديد، أو أن يُفضَح عناده وادعاؤه ويعلم الناس حقيقته.

طريقته وأفكاره

كانت طريقته تعتمد على إعلانه أنه جاهل يطلب العلم والحكمة من الحكماء، ويذهب للرجل المعروف بالحكمة ويطلب منه أن يناقشه في تلك المسألة أو تلك ليستفيد -سقراط- من حكمة محدثه وعلمه الغزير. فيقع الرجل في الفخ ويبدأ في الحديث، وكلما قال شيئًا أثنى سقراط على حكمته وطرح سؤالاً قويًا عن هذا الشيء، وهكذا حتى يتعب الرجل ويعترف بجهله.
وكان سقراط يرفض أن يوصف بالحكيم، فيقول عن نفسه -عن اقتناع- إنه جاهل ينشد العلم وإنه مجرد محب للحكمة يبحث عنها، إيمانًا منه أن هذه هي الطريقة الوحيدة لنيل العلم الحقيقي والحكمة العالية.
ولكن سقراط بدأ في التطرق بكلامه للسياسة.. فأثار عليه حفيظة أعدائه واكتسب منهم المئات!

أعداء سقراط

فقد قام سقراط بمهاجمة فكرة الديمقراطية؛ حيث استنكر أن يصل الزراع والصناع للحكم وهم غير متخصصين في السياسة ولا عاملين بها ولا خبرة لهم بشئونها، وهاجم كذلك الحكم الأرستقراطي حيث استنكر احتكار فئة بعينها للحكم. مما أثار ضده عداوة أنصار الاتجاهين، بالذات الديمقراطيون الذين ما إن انتصروا في صراعهم ضد النظام الأرستقراطي حتى قرروا الانتقام من سقراط.
الديمقراطيون تحالفوا ضده مع من فضح جهلهم من مدعي العلم والحكمة، وكذلك مع المحافظين المتشددين الذين خشوا أن يكون سقراط داعيًا سُفسطائيًا جديدًا، وقرر المتحالفون تقديمه للمحاكمة بثلاث تهم: إنكار الآلهة - الدعوة لآلهة جديدة - وإفساد عقول الشباب.

المحاكمة والنهاية

جرت المحاكمة بعد أن مثّل الادعاء عليه ثلاثة من أعدائه هم "ميليتوس" و"لايكون" و"أنيتوس"، وكان هذا الأخير من زعماء الديمقراطيين الراغبين في التخلص من سقراط. وبدلا من أن يطلب سقراط الرحمة من القضاة، قدم حججه بقوة وأشار إلى أن موقف قضاته مشين حين يحاكمون رجلاً يريد إصلاح مجتمعه، فغضب القضاة وحكموا بإدانته، وقضوا بإعدامه بالسُم بناء على طلب المدعين ضده.

تم حبس سقراط تمهيدًا لإعدامه، وعرض عليه أتباعه تهريبه خارج السجن والبلاد كلها، وكان هذا آنذاك شديد السهولة؛ نظرًا لانتشار الفساد وسهولة رشوة الحراس.

ولكن سقراط الذي كان ينادي باحترام القوانين رفض أن يخالف مبدأه إنقاذاً لحياته، وخضع للحكم الذي نُفِّذَ فيه بعد ثلاثين يومًا من محاكمته.

وللأسف.. فإن الإنسان يصرّ على تبني أخطاء أسلافه. فمذهب السُفسطائيين "السفسطة" ما زال الغالب على أسلوب البعض في تفاعلهم مع المشكلات والمناقشات, فيُلبسون الحق رداء الباطل، ويلونون الباطل بألوان الحق, مما يجعل المرء يحار فيهما فيفقد المجتمع معاييره للصواب والخطأ.

ومأساة سقراط مازالت تتكرر إلى يومنا هذا؛ فكم من مُصلح حاربه قومه؛ فقط لأنه جاء بجديد, دون أن يفكّروا فيما إذا كان ذلك الجديد لصالحهم أم لغير ذلك, معتقدين أنهم إنما يحمون مجتمعهم من التيارات المدمرة للتقاليد التي تحولت لديهم إلى أوثان هم عليها عاكفون..

إن عالم اليوم هو التلميذ الذي تعلم جرائم الماضي -أستاذه- فتفوق عليه..
الكاتب: وليد فكري

مصادر المعلومات:
1- فلاسفة أيقظوا العالم: د.مصطفى النشار.
2- قصة الفلسفة اليونانية: د.زكي نجيب محمود - د.أحمد أمين.

سلام يا شيخ محمد

سلام يا شيخ محمد
قصة أخرى من القصص التي لا تحدث إلا في ميكروباص عائد لطنطا، ولا تحدث إلا بعد منتصف الليل، ولا تحدث إلا معي.

عندما تصمم على أن القاهرة لا تصلح لقيادة السيارات ولا تصلح لأي استعمال آدمي أصلاً، فعليك أن تدفع الثمن، وهذا الثمن قد يتطلب ركوب الميكروباص بعد منتصف الليل لأنه لا توجد قطارات، بينما السائق المسجّل خطر والذي لا يحمل رخصة، والذي يحمل ندبة مطواة على خده، والذي أفرغ زجاجة التوسيفان في جوفه منذ خمس دقائق.. هذا السائق يعدّ الركاب في الظلام بعينين لا تريان تقريبًا. السؤال هنا: هل يعيش هؤلاء السائقون حتى يروا طنطا؟.. يُخيّل لي أنهم طابور طويل لا ينتهي.. ينطلق كل منهم بالميكروباص.. ينقلب ويموت.. فيقول ريّس الموقف الجالس يدخن الحشيش في غرزة شيحة:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. الله يرحمك يا (حبارة).. يلّا دورك يا (شيحة).

فيبتلع (شيحة) قرصين من البرشام، وينهي لعبة (البرغوتة) التي كان يلعبها، ويهرع ليقود الميكروباص التالي..
حشرت نفسي في ميكروباص الموت هذا، وكانت أمامي امرأة ريفية من الطراز الذي أنجب قردًا لا يكف عن البصق على الناس والسباب والوثب وجذب النظارات.. وهي تقول له في ملل:
ـ عيب يا وله.. ما تضايقش الأستاذ...

بالطبع ليس هذا رأي الصبي؛ لأن فكرة أن يكون المرء أستاذًا تبدو له مضحكة جدًا. هل من نجدة؟ هنا جاءت النجدة في أغرب صورة..

هذا الشاب الضخم أسود البشرة لامعة كالباذنجان، يلبس فانلة داخلية تبرز منها عضلات مرعبة، والذي امتلأ جسمه بالوشم الأخضر. أصلع الرأس تمامًا يدس سماعتي جهاز (آي بود) في أذنيه ويمشي في تؤدة ليركب الميكروباص، فيحشر جسده العملاق جوار السائق. لو كنت قد رأيت العملاق الزنجي (مايكل دونكان) في فيلم (الميل الأخضر) فقد أرحتني من الوصف.

عرفت على الفور أنه ليس مصريًا.. ليس عربيًا.. إنه زنجي أمريكي.. يبدو كرابر rapper من الذين نراهم في الكليبات يتكلمون بلا توقف، وهم يهاجمون الكاميرا في تعصب كأنها ضايقتهم بشيء ما، ويأتون بحركات غريبة جدًا بأصابع أيديهم..

رفع سماعة الجوال وتكلم مع أحدهم، فميزت اللهجة الأمريكية على الفور. من أين جاء هذا الفتى وماذا جعله يركب هذا الميكروباص؟ لابد أن وراءه قصة مسلية ما..

بالطبع صار هو تسلية القرد الصغير المزعج، وسرعان ما مد الصبي يده لينزع الجوال ليلعب به.. قالت أم الصبي كلمة متخاذلة أخرى:
ـ عيب يا وله... متضايقش الخواجة...

لكن الأخ الإفريقي الأمريكي هز رأسه في تسامح، وقال بعربية لا بأس بها:
ـ سيبيه.. سيبيه.. هو ولد صغير.. هو عايز يلأب..

رحت أراقبه في مقت.. أمقت مطربي الراب ومن يبدون مثلهم كالجحيم. فيهم غرور لا مبرر له، وتعالٍ بلا أية مقومات.. لا أجد في أدائهم صوتًا ولا لحنًا ولا أي شيء، دعك من ارتباطهم في ذهني بالمخدرات والجنس.. لا ترى أغنية راب واحدة دون أن تجد حول المطرب مائة فتاة شبه عارية تتلوى، ويبدو أن تاريخ البطن والصدر كعورتين يجب تغطيتهما قد انتهى. والكلمات نفسها فضيحة لو استطعت أن تتابعها.. المطرب فيه وقاحة وتحدٍّ وقلة أدب، ومن الواضح أنه ضد القيم والقانون وكل شيء. وكنت أتساءل دومًا من أين يأتون بكل هذا الغرور؟.. هل العنصرية المضادة بلغت حد الاشمئزاز من كل ما هو أبيض؟

ابني المراهق يرى العكس تمامًا، ويعتقد أن هذه الضوضاء هي أروع شيء جاد به العقل البشري منذ عصر شوبان، لكنني أضيق عليه أيما تضييق وأمنعه من.....

لكن كم الساعة الآن؟ نصف ساعة بعد منتصف الليل، والولد قليل الأدب في الفراش الآن يتأهب للنوم. هذه فرصة أروع من أن تضيع.. مطرب راب أو واحد يبدو مثلهم بالضبط في ميدان رمسيس.. لن يفلت من يدي. ملت على العملاق الأسود، وسألته بالإنجليزية إن كان يحب الراب؟؟ فقال بالعربية في حماسة:
ـ طبعًا.. أنا كنت أغني راب في نيويورك.

إذن هو المطلوب! قلت له إن ابني يهيم حبًا بالأفارقة الأمريكان، ويتمنى لو صحا من النوم ليجد نفسه أسود أصلع ضخمًا مليئًا بالوشم مثلهم، دعك من أن الفتيات البيض يهمن حبًا بكم.. قلتها بالعامية الأمريكية كما يقولونها في الأفلام:
"White chicks just dig you guys"

فهز رأسه ولمعت عيناه في ثقة ورضا.. لم يعتبرها مجاملة بل حقيقة كونية.. قلت له إن ابني سوف يطير فرحًا لو تكلم معه لبضع دقائق، ولم أتركه يفكر كثيرًا إذ طلبت ابني على الجوال، وقلت للصبي المندهش المذعور:
ـ موهامد... كلم عمو.. هي إز أ رابر...

لسبب ما وجدت نفسي أنطق اسم ابني (موهامد) ولا أعرف السبب. ووضعت السماعة على أذن الإفريقي المندهش، ودارت محادثة إنجليزية طويلة مرحة.. سمعت أسماء مجموعة (الصيع) التي يعشقها ابني، مثل (50 قرشًا) و(توباك) و(إيكون).. تبين أن هذا الأخ كان في عصابة شوارع مع (ماد دوج) -هل هذا اسمه؟- ما شاء الله.. لكن المهم أن ابني سعيد جدًا.. أخيرًا تشرف بالكلام مع رجل عصابات زنجي من نيويورك..

انتهت المكالمة أو انتهى الرصيد لا أذكر، لكن الأخ الإفريقي ناولني الهاتف وصاح بالإنجليزية في مرح:
ـ يا للسماء!.. إنه خبير في الراب والهيب هوب!!
هنا سألته عن اسمه فهز رأسه الأصلع وقال ضاحكًا:ـ
موهامد.. نفس الاسم..!
ـ هل أنت مسلم؟
قال بالإنجليزية ضاغطًا على كلماته:
ـ منذ عامين.. والإسلام يجري في عروقي مجرى الدم.

إذن هذا التاريخ الضخم هو تاريخه قبل أن يعتنق الإسلام.
هنا كان سائق الميكروباص قد توقف أمام أحد رجال شرطة المرور.. كلمات هامسة، ثم دس ورقة مالية ما في يد الشرطي وعدنا نتحرك.. المشهد اللعين المعتاد..

بالطبع لاحظ الجميع ما حدث، وقدرت أن الأمريكي لا يفهم معنى هذا، لكنه صاح في غضب حقيقي:
ـ رشوة..!.. الرشوة هرام!!
ثم قال للسائق في وقار كأنه إمام مسجد:
ـ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.

راح السائق يشرح له بلسانه الملتوي من التوسيفان كيف أن العسكري غلبان، وهو غلبان وكلنا غلابة ولابد من تمشية الحال، لكنه راح يردد:ـ من غشّنا فليس منا.

وراح يتكلم في الدين طيلة الرحلة الرهيبة إلى طنطا. لاحظت مع الوقت أن آذاننا احمرت؛ لأن الرجل يناقش أشياء منطقية وواضحة اعتبرناها مسلمات. حتى أن ركاب العربة بدؤوا يطلقون عليه (شيخ محمد)، وعرفت أنه متديّن ومثقف دينيًا جدًا. عرفت كذلك أنه في مصر يجوب مدنها لإعطاء دروس اللغة الإنجليزية لطلبة الآي جي.ما أغرب هذا الموقف!.. الأخ الأصلع الأسود الذي اعتبرته من عصابات مانهاتن تبيّن أنه أعلمنا بالدين على ما يبدو. ولا أنكر أنني شعرت بإعجاب شديد به، فهذا رجل قد بحث وفكر واختار.. فلا أزعم أنني أستحق أن أصافحه. سوف يندهش ابني كثيرًا عندما يعرف بقية المشهد.

عندما افترقنا تبادلنا أرقام الهاتف وقال لي ضاحكًا:
ـ سوف أحكي لابنك الكثير عن (توباك) عندما نلتقي.. سلام..
قلت له وأنا أبتعد:
ـ سلام يا شيخ محمد.. ادع لنا!!
د.أحمد خالد توفيق

ويسألون عن الإيثار

ويسألون عن الإيثار
الإسلام ليس عبادات فقط وإنما عبادات ومعاملات.. والمعاملات ترتكز على الأخلاق، ومسلم بدون أخلاق مسلم ناقص الأهلية
الحديث عن الأخلاق موجود فى كثير من الكتب، لكن الكتب موجودة ومحفوظة ونحن لا نفتحها، وإذا فتحناها لا نقرؤها، وإذا قرأناها لا نفهمها، وإذا فهمناها لم نطبقها فى حياتنا فكأننا لم نجدها ولم نفتحها ولم نقرأها ولم نفهمها
الكثير يسأل: وماذا بعد، وأسأل أنا: وماذا الآن؟
نكتب عن الأخلاق ونتحدث عنها ونقرأ عنها فأين هى من حياتنا؟
*******
من العجيب ـ عزيزى القارئ ـ أن نجد أخلاقا إسلامية اندثرت ولم تعد معروفة مع أن الإسلام أمر بها، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها وفعلها وتخلَّق بها، لدرجة أننى عندما أقول للشباب الآن الإيثار يقولون: وماذا يعنى الإيثار؟ والعجيب أيضا أنه إذا أردت أن تبحث عن مرادف لكلمة الإيثار فى أى لغة أخرى مثل الإنجليزية مثلا فلن تجد لها معنى وكذلك فى الفرنسية، وليس الإيثار فقط ولكن أخلاق الإسلامية عديدة مثل: التواضع.. مثلا تترجم إلى
Humble
وهذه الكلمة تعنى الخنوع وليس التواضع أبدا
*******
يا خسارة يا شبابنا، قيمنا من أين نأخذها؟ ليس من قيمنا الإسلامية الثرية ولكننا نلهث وراء الغرب، ويا ليتنا نأخذ من الغرب التكنولوجيا والحضارة وعلم الإدارة، ولكننا أخذنا مجرد التقليد الأعمى، ويا ليت أمتنا متقدمة ومتحضرة ونأخذ البقايا من الغرب، لكن أمتنا ضعيفة ومتأخرة ومازال عندها مشكلة وبدلا من أن يتفرغ لحلها الشباب ذهب ليقلد الغرب فى الملبس والمأكل وسماع الأغانى العربية، لكن أخلاقنا الإسلامية لا، لا أريد أن آخذ منها، فأين ستجد الإيثار؟ لن تجده إلا فى مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم فى وسط رجال آمنوا بالإسلام وعاشوا للإسلام.
إذن تعالوا لنعرف الإيثار وما هو؟
معنى الإيثار: أن تفضل أخاك على نفسك، شىء من حظوظ الدنيا تتركه لأخيك فيستمتع هو به وتفقده أنت. عندما نقول: فلان آثر فلانا ـ أى قدَّمه على نفسه، أى فضَّله عل نفسه فى حظوظ الدنيا رغبة فى حظوظ الآخرة
*******
فى ليلة من ليالى الشتاء القارص فى المدينة والنبى يشعر ببرد قارص جاءته امرأة من أنصار المدينة وقد نسجت له بردة من القطيفة ففرح بها النبى ولبسها، فخرج بها النبى صلى الله عليه وسلم فى أول لبسة ـ مثلما تشترى بدلة جديدة وتخرج بها لأول مرة ـ فنظر له أحد الصحابة من الأنصار وقال له: ما أحلى هذه العباءة! ألبسنيها يا رسول الله
إذا كنت مكان النبى ماذا تفعل؟
قال له النبى: نعم، وخلعها له فى الحال صلى الله عليه وسلم
أرأيتم الإيثار، فاحتدَّ الصحابة على هذا الأنصارى وقالوا له: كان النبى فى احتياج لها، فقال لهم: وأنا أحوج منه إليها، فقد أردت أن أجعلها فى كفنى حين أموت
*******
جاء أعرابى للنبى صلى الله عليه وسلم بعد أن فتحت مكة وخيبر وكثرت الغنائم ـ وقد كان ذلك بعد 23 عاما هى فترة بعثة النبى، كان أكثرها النبى والصحابة فى حالة شدة وفقر فقد كان صلى الله عليه وسلم يربط حجرين على بطنه من شدة الجوع فبعد أن منَّ الله عليهم بكل هذه الفتوحات، كان نصيب النبى من الغنائم، عددا من الأغنام ما بين جبلين، تخيل هذه الكمية تصبح مع فقير عاش كثيرا فى الفقر، ولكن النبى كان يريد الآخرة
جاءه أعرابى ونظر لهذه الغنائم فقال له النبى: أتعجبك؟ قال: نعم، قال له النبى: هى لك، فقال له: يا محمد، أتَصدقنى القول؟ قال: نعم خذها إن شئت
هل تتخيل من الممكن أن تؤثر إلى أى مدى؟ فقام الرجل وجرى إلى الغنم وهو يلتفت حوله، وأخذها كلها وعاد بها إلى قومه وقال لهم: أسلموا فقد جئتكم من عند خير الناس، إن محمدًا يعطى عطاء من لا يخشى الفقر أبدا
يقول الراوى: ما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا شيئا يملكه، أى لم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا عن أخذ أى شىء يطلبه منه
*******
هل رأيتم الإيثار؟ هل هو موجود بهذه الكيفية فى حياة كل من يقرأ هذا المقال الآن؟ للأسف نسمع ونرى عن شابين أو ثلاثة يسافرون سويا وكل منهم يخبئ طعامه فى حقيبته، هل فكرت أن تؤثر أخيك ببدلة اشتريتها جديدا؟
لابد وأن يكون شعارنا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه
هذا هو شعار الإيثار.
لا يكتمل إيمانك حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك
*******
-عمـرو خـالد-