‏إظهار الرسائل ذات التسميات المفسدون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المفسدون. إظهار كافة الرسائل

المُفسِدون في الأرض (5)

المفسدون في الأرض (5)
الحجاج بن يوسف الثقفي نسيب إبليس!
عندما يكون الحديث عن نوع جديد من الفساد يتمثل في ممارسة أعتى أنواع القتل والتعذيب وضرب المقدسات باسم السلطة وحماية الدولة... عندما يُقنن العدوان على النفس التي حرّم الله المساس بها إلا بالحق ويتحوّل لأمر مُبرر وواجب لحفظ النظام... عندما يكون الخوف هو العلاقة الوحيدة بين الحاكم والمحكوم، وعندما نتحدّث عن الرجل الذي فعل كل هذا... فنحن -بالتأكيد- نتحدّث عن "الحجاج بن يوسف الثقفي".. رجل بني أمية القوي وسيفهم البتّار.

هو من أكثر الشخصيات التاريخية إثارة للجدل. أقلية رأته مظلومًا متحاملاً عليه من قِبل المؤرخين، وأغلبية أجمعت على أنه أعتى الظالمين وأن عهده كان نكبة على دولة العرب والمسلمين وعلى الإنسانية كلها.. ولأن أعمال المرء هي التي تقيّمه، فإن كفة القائلين بالرأي الثاني هي التي ترجح.. إذ إنه -أي الحجاج- فعل من الفظائع ما لا يمكن تجاهله، ونحن إذ ننظر إليه نجد أنفسنا ننظر لشخصين مختلفين. فهو من جانب.. رجل صوّام قوّام مُصلي، خاشع في الصلاة دامع العين عند ذكر الله، مشجع على التفقه في الدين ودءوب على إرسال السرايا والجيوش للغزو في سبيل الله. ومن جانب آخر... سفاح سفاك للدماء جريء على الظلم والبطش يمكنه أن يذبح مئات الأبرياء دون أن يطرف له جفن! شخصية لا يحتاج عرضها إلى مؤرخ بقدر ما يحتاج إلى محلل نفسي لهذا الرجل الذي نشر نوعًا خطيرًا من الفساد الفكري يتمثل في مبدأ "كل شيء مباح لحماية الأمن والنظام، ولو كان الثمن أرواح الأبرياء وأمنهم ذاته"! ذلك المبدأ الذي استمر إلى يومنا هذا، ولكن بصور وأشكال مختلفة.

صعود الحجاج

كان الحجاج رجلاً من قبيلة ثقيف التي تعيش بالطائف يعمل كمعلم للأطفال، يعلمهم القرآن الكريم والأحاديث الشريفة. لكنه شعر أن الطائف تضيق عن طموحاته العريضة، وساهم في شعوره هذا سوء تصرف ولاة الطائف الذين عيّنهم عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- الذي كان قد أعلن نفسه خليفة على الحجاز والعراق.

هؤلاء الولاة كانوا يُسيئون معاملة أهل الطائف بشكل زرع في نفس الحجاج يقينًا أنه لن ينال حقه في الاحترام إلا إذا أصبح من ذوي السطوة والقوة، فهاجر إلى دمشق عاصمة خلفاء بني أمية الذين كانوا ينافسون ابن الزبير على السيادة على الحجاز وأرض العراق. وبالفعل سافر الحجاج وانضم لشرطة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان يشكو تراخي رجال شرطته وافتقادهم الضبط والربط، فاستغل الحجاج ذلك وأظهر لزملائه من البأس والالتزام ما زرع في قلوبهم هيبة منه ودفع رئيسهم "رَوح بن زنباع" إلى ترقيته وتقديمه للخليفة الذي استشعر مواهبه القيادية فجعله من قواد حربه ضد أعداء السلطة. وهكذا، أصبح الحجاج -وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره- أحد كِبار رجال الدولة الأموية.

جبروت الحجاج وجرائمه

أبدى الحجاج -من البداية- غلظة قلب شديدة في إدارته لما وُكّل إليه من مهام. فحين وُكلت إليه مهمة تجنيد أهل الشام في الجيش أعلن بشكل صريح أن على كل قادر على حمل السلاح الخروج مع الجيش وإلا قُتِل وحُرِقت داره. ولكي يُثبت جديته قام بقتل رجل لم يستطِع تنفيذ الأمر لمرضه بالفِتاق، بل وكان يبادر بقتل أي شخص يُبدي ولو تبرمًا بسيطًا من أمر يوجهه أو قول يُعلنه، بغض النظر عما إذا كان هذا الشخص شابًا أم شيخًا مريضًا أم رجلاً من العبّاد أو الفقهاء. وكان يقول -ويُقسم- إنه لو أمر الناس بالخروج من أحد أبواب المسجد فخرجوا من الآخر، لحلّت له دماؤهم وأموالهم!

بل ولم يكن يوقفه عند حده كون خصمه أحد الصحابة أو التابعين، فعلى سبيل المثال، كان الحجاج -خلال ولايته على الحجاز- يتعمّد الإساءة لأنس بن مالك -رضي الله عنه- ومضايقته واضطهاده كل حين هو من سواه من الفقهاء والصالحين. فقد كان يؤمن -كما أعلنها قبل ذلك- أن هؤلاء يُحدّثون الناس عن سِير الخلفاء الراشدين فيجعلونهم يُقارنون بينهم وبين خلفاء بني أمية، فيستصغرون شأن الأمويين. وذلك كان يجعل من سياسته أن يهين الصالحين وأهل الحديث ليمنعهم من التحدّث إلى الناس بالحق.

وكان أكثر كلامه في خطبه لمن تولى أمرهم، كأهل العراق بعد أن وضع الأمويون يدهم عليها تهديدًا ووعيدًا. فقد قال في خطبته لأهل العراق حين عُيّن واليًا عليهم: "يا أهل الكوفة (عاصمة العراق).. إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى!". هذا فضلاً عن ما جاء في خطبته الشهيرة تلك من "وصلة" طويلة من السب واللعن والذم في رعيته وتهديدهم بكل شنيع من العقاب.. مما ينطبق عليه بشدة قول: "أول القصيدة كُفر"!

ولم يتوقف بإساءاته وبذاءة لسانه عوام الناس فقط، بل امتد بذلك إلى أنبياء الله، فوصف نبي الله سليمان -عليه الصلاة والسلام-بأنه "حسود" تعليقًا على دعاء ربه أن يهبه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده!

وكانت فيه جرأة على الإفتاء في الدين بما ليس له به علم بل وفرضه بقوة السلاح وتحت التهديد بالقتل. فقد أفتى بعدم جواز قراءة القرآن على قراءة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- وكان يقول إنه لو وجد مصحفًا به القرآن على القراءة المذكورة لكشطه ولو بضلع خنزير، ثم يتبع قوله هذا بسبّ ابن مسعود والقول بأنه لو كان عبد الله بن مسعود حيًا لقتله.

أما الجريمة الأكثر شهرة للحجاج فقد كانت ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق عندما حاصر مكة المكرمة وتحت إمرته جيش الشام الأموي؛ من أجل أسر عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- وتوطيد مُلك بني أمية في الحجاز، بعدما وطده في الشام والعراق.

كان ابن الزبير قد اتخذ مكة عاصمة لخلافته ورفض مبايعة بني أمية؛ لأنه رأى فيهم مغتصبين للحكم ومغيرين للنظام الإسلامي لسياسة المسلمين. فقام عبد الملك بن مروان -الخليفة الأموي الخامس- بإرسال الجيوش؛ لطرد رجال ابن الزبير من العراق ومكة والمدينة. كان عبد الله بن الزبير قد تحصّن في مكة وشحنها بالرجال والسلاح، فأمر الحجاج جيشه باتخاذ المواقع للحصار من فوق الجبال المحيطة بمكة. وقام بنصب المجانيق على قمم الجبال لقصف البلد الحرام! وبالفعل انطلقت القذائف الصخرية والمشتعلة نحو البلدة المقدسة وبلغت الكعبة التي أصابتها الشروخ واشتعلت فيها النيران -كل هذا بجرأة بالغة وعين لا تطرف- وعندما هوت صاعقة على أحد المجانيق فأحرقته وقتلت بعض العاملين عليه شعر المقاتلون أن تلك الصاعقة غضب من الله لانتهاك حرمة بلده الحرام، فسارع الحجاج بالقول إن تلك الصاعقة علامة على رضا الله لا سخطه، مبررًا ذلك بأن هابيل وقابيل ابني آدم -عليه الصلاة والسلام- عندما قرّب كل منهما قربانًا لله ورضا الله عن قربان هابيل، أرسل من السماء لسانًا من نار فالتهمه، فتلك الصاعقة لسان النار الذي يعلن رضا الله عما يفعل جيش الحجاج! -وهو قول لا يصدر إلا عن رجل بلغت جرأته على الله ومقدساته درجة مخيفة!

استمر ضرب مكة واشتد الحصار وبدأ أتباع ابن الزبير يتخلون عنه حتى صار وحده، لكنه أصرّ على الصمود فاقتحم الحجاج وجيشه الحرم المكي وقتلوا عبد الله بن الزبير وقطعوا رأسه وصلبوا جسده منكسًا؛ ليعلن جريمة وحشية جديدة للحجاج.

تلك الفعلة الشنعاء -على فظاعتها- لم تكن أشد مما اعتاد عليه الحجاج من سفك لدماء الناس، التي يقول الدين إنها أكثر حرمة من مكة ذاتها! فقد كان غشومًا مسارعًا للخوض في الدم والقتل والاعتقال لمجرد الشبهة، حتى أنه حين مات كان قد بلغ عدد قتلاه مائة وعشرون ألف نفس، وعدد مَن في سجونه ثمانون ألف مسجون منهم ثلاثون ألف امرأة! وهي أرقام ضخمة في زمننا هذا فما بالنا بزمن الحجاج حيث كان عدد الناس أقل!

ما قيل عن الحجاجولأن الحجاج كان "حالة" صارخة شديدة الشذوذ نفسيًا وسلوكيًا، ولأن أفعاله كانت قد بلغت خطورة مخيفة، فقد أثار أقاويل الناس. بل أنه ذُكِرَ في الأحاديث قبل حتى أن يُولد! فقد تنبأ الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن قبيلة ثقيف سيخرج منها "مبير" أي "مُهلِك قاتل". وقال الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وكرّم وجهه- إن ثقيفًا سيخرج منها فتًى يقال له يوم القيامة "أكفنا إحدى زوايا جهنم". وقال عنه أيضًا فيما جاء في الحديث إنه سيأتي من ثقيف فتى لا يَدَع معصية إلا ارتكبها ولو كان بينه وبينها باب لكسره. كما قال عنه الخليفة عبد الملك بن مروان إن بينه وبين إبليس نسبًا، وقال عنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه: "لو جاءت كل أمة بخبثها وجِئناهم بالحجاج لكفيناهم". بل وقد قال عنه أبوه نفسه -قبل أن يتولى الحجاج أي من وظائف السلطة: "إنه -أي أباه- ليرى الله جعله جبارًا شقيًا".

نهاية الطاغية

بينما هو يعيش نشوة انتصاراته وأوج قوته، فاجأ المرض الحجاج بن يوسف فسقط سريعًا أمامه، وعاش أواخر أيامه يتعذّب من آلام مرض موته، ويقال إن جوفه أصابه التعفّن حتى كان الدود يعيش فيه. وكان كلما تلوى ألمًا يقول: "أصابتني دعوة سعيد بن جبير". وسعيد بن جبير رجل من فقهاء مكة من التابعين، قتله الحجاج لخروجه عليه. فدعا عليه ابن جبير قبل موته، فضلاً عن آلاف الدعوات واللعنات التي استنزلها عليه كل من أحرقتهم نار طغيانه.

شكل جديد من الفساد

كان الحجاج يُمثل "حالة" فريدة من نوعها؛ لأنه كان يجمع التناقضات في القول والفعل. وهذا هو نوع الفساد الذي كان يمثله. فتلازم ما به من عنف ودموية وجرأة على المحرمات مع ما كان يظهر منه مِن عفة يد عن مال الدولة وخشوع صادق في الصلاة وبكاء عند زيارة القبور وذكر الموت وأمر الآخرة، ومسارعته لإرسال المجاهدين للفتوحات في الهند والصين، يجعل المرء يحار في أمره، ويفتن ضعاف العقول والتفكير فيحسبونه على حق فيما يفعل ويبررون جرائمه بأنها من ضرورات السياسة وحفظ أمن الدولة. الأمر الذي يعني أن ضرر فكر الحجاج ومنهجه في السياسة لم يقف عند حد "الواقعة التاريخية الشاذة"، بل إنه يتجاوز ذلك ليُصبح "مدرسة في السياسة وصاحب منهج في الحكم"، يبرر بعد ذلك للكثيرين أن يخوضوا في أعتى أنواع الطغيان والقمع بجرأة ظنًا منهم أن الحجاج ممن يُقتَدَى به في تلك الأمور.

كان الحجاج يَعتبر أن ما يفعله يقع تحت بند "الواجب" الذي لا يتم حفظ أمن البلاد إلا به. ففي ذلك الوقت كانت حركات التمرد التي قادها الخوارج على أشدها، وكانت الحركات الاستقلالية من بعض قادة الجيش الأموي في أوجها، وكان ابن الزبير يُسيطر على جزء كبير من الدولة الإسلامية. فكان الحجاج يرى أن تلك الظروف تقع تحت وصف "الطوارئ والضرورات التي تبيح المحظورات"، فكان ينفّذ سياسته الدموية لا بشكل عشوائي انفعالي بل بصورة منهجية منظمة، أي أنه -بمعنى أدق- كان يعرف جيدًا ما الذي يفعله وكيف يفعله ولماذا يفعله!!.. منفذًا سياسة معدة مسبقًا في ذهنه، ورؤية صاغها بعناية وهو يعتبر نفسه مجتهدًا إذا أصاب له أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد!

هذا هو شكل الفساد الذي يُمثله الحجاج، فهو ممن يصفهم علم الإجرام بأنهم "مجرمون أصحاب عقيدة"، وهم أخطر أنواع المجرمين، فهم يرتكبون جرائمهم وهم يؤمنون داخليًا أنهم على حق. والأخطر حين يصل أمثال هؤلاء للمناصب الأمنية أو السيادية، فعندئذ يُصبح الفارق الوحيد بينهم وبين المجرم في الصورة التقليدية له هو أنهم يحملون صفة رسمية بينما هو لا يحمل.

هكذا كان الحجاج... وللأسف فإنه لم يكن الحجاج هو الأول أو الأخير.. فمن بعده أتى آلاف مثله... فهو كما قلت ليس مجرد شخص.. بل هو مدرسة....
الكاتب: وليد فكري

مصادر المعلومات:
1- البداية والنهاية: ابن كثير.
2- علم الإجرام والعقاب: د.رمسيس بهنام.
3- ما وراء التعذيب: بسمة عبد العزيز.
4- تاريخ الشعوب الإسلامية: كارل بروكلمان.
5- الحجاج بن يوسف الثقفي في الميزان: محمد ناصح مؤيد العظم.
6- موسوعة عظماء حول الرسول: خالد عبد الرحمن العك.
7- موسوعة تاريخ العرب: عبدعون الروضان.
8- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ابن تغري بردي.
9- رجال حول الرسول: خالد محمد خالد.
10- الجريمة: محمد أبو زهرة.
11- الأحكام السلطانية: الإمام أبو الحسن الماوردي.
12- النظام السياسي للدولة الإسلامية: د.محمد سليم العوا.
13- خلفاء الرسول: خالد محمد خالد.
14- عمر بن عبد العزيز: عبد الرحمن الشرقاوي.
15- تاريخ قريش: د.حسين مؤنس.
16- الطغاة والبغاة: د.جمال بدوي.
17- أبناء أبي بكر الصديق: عبد الحميد جودة السحار.

المُفسِدون في الأرض (3)

المفسدون في الأرض (3)
عندما كان العرب يعبدون عزيزة!!
جزيرة العرب تلك الأرض المباركة التي شرّفها الله بأن جعل فيها كعبته المشرّفة، داهمتها الوثنية بمئات من الأصنام والأوثان والمعبودات من دون الله "عزّ وجلّ" أو بالإشراك معه في وضع يُؤلم كل ذي عقل وفكر.
ومكة.. تلك البلدة المكرّمة، صارت علامة للشرك والوثنية بعد أن كانت الحصن الأخير للتوحيد..فمن السبب؟عندما أسّسَت مكة، كان سكانها هم هاجر وإسماعيل وأبناؤه -عليهم الصلاة والسلام- وقبيلتي "جُرهُم" و"قُطَوراء".

حدث تزاوج وتمازج بين كل هؤلاء مما أنتج المجتمع المكي الأول في صورته القديمة. ولأن مكة -آنذاك- كانت صغيرة المساحة قليلة الموارد، فقد وجدت القبيلة أن على بعض أبنائها الهجرة من البلدة المباركة التي ضاقت على أهلها، والسعي في الأرض وإقامة مجتمعات جديدة.

كانت تلك أولى الهجرات الكبرى من مكة لأطراف جزيرة العرب، وخرج المهاجرون وقد حملوا معهم حجارة من الكعبة تذكارًا لوطنهم الأم وبيتهم المعظم، وانطلقوا إلى الأرض العربية الواسعة حيث أقاموا قبائل كبيرة وأسس بعضهم ممالك ودويلات، وتناسلوا في مهجرهم وأتوا بأجيال جديدة لا تعرف عن مكة سوى أنها أرض الأجداد.

تلك الأجيال سرعان ما انتشر فيها البُعد عن التديّن والطابع الأصيل للحياة العربية، فرأى المشايخ وأصحاب الرأي الذين شهدوا تلك الهجرة الأولى لقبائلهم الناشئة أن يُخرِجوا لأبنائهم الحجارة التي انتزعوها من الكعبة؛ ليذكروهم بأصلهم النبيل، فأخرجوها ووضعوها في أماكن معظمة، وأخذوا يطوفون بها. ولكن كما يقال فإن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة!

فقد كان ذلك الطواف على سبيل التعظيم لا أكثر، ولكن مَن قرروه نسوا أن الكعبة تُطاف لا لقدسية أحجارها بل لقدسية موقعها. كانت تلك ثغرة عميقة في محاولة إحياء التدين التي قام بها شيوخ قبائل العرب الأولى، لذا فسرعان ما أتت أجيال توهمت أن تلك الحجارة إنما تُعبَد لذاتها، فبدأت أول عبادة لحجر في الجزيرة العربية..

البذرة الأولى

ولكن قبل أن نركن لذلك التفسير المبدئي لدخول الوثنية لجزيرة العرب فيما بعد رسالة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- علينا أن نضع أيدينا على البذرة الأولى لذلك الانحراف الصارخ عن دين الله.

فقد كانت المنافسة على أشدها في مكة بين قبيلة جُرهُم بقيادة مضاض بن عمرو، وقبيلة قطوراء بقيادة السميدع، كلاهما تسعى للسيطرة على الزعامة السياسية والتجارية للمدينة، بل والدينية أيضًا، فسعت جُرهُم لاصطناع أصل لنفسها بأن نسبت نفسها لجد أكبر اخترعته وزعمت أنه كان أحد ملائكة السماء ثم أذنب فنزل منها في هيئة البشر وأتوا هم مِن نسله.

وصاروا يتفاخرون على أهل مكة وهم يطوفون الحرم قائلين: "لاهُما (اللهم) إن جُرهُمًا عِبادُكا .. القوم طَرفٌ وهمُ قِلادُكا".

فلما تصدت قطوراء لذلك البغي العظيم حاربتها جرهم ودارت بينهما معركة ضارية انهزمت فيها قطوراء وقُتِلَ زعيمها السميدع واستمرت جرهم على بغيها، حتى جاءها يومٌ طُرِدَت فيه من مكة بالقوة بعد أن ضج أهل البلد الحرام بذلك العدوان على مقدسات الله.
ولكن للأسف لم يمنع هذا انتشار العبث بالمقدسات وتحويل دين التوحيد إلى وثنية مطلقة، بل أجّله فقط.. فإن كان ذلك التحول قد تأخر في مكة، فقد كان سريعًا للغاية فيما سواها من بقاع جزيرة العرب.

استيراد الآلهة

موقع الجزيرة فرض على العربي القيام بدور كبير في حركة التجارة الدولية، فكانت قوافله تذرع طرق الشام واليمن ومصر وفينيقيا والعراق، وكانت تعود محملة لا بالأموال والبضائع فحسب، بل بالثقافات المختلفة وبالذات الدينية.

فقد أخذ العرب عن المصريين تقديس أرواح الأسلاف، وهذا عن طريق تقديس الصالحين من المتوفّين والتوسل بهم في الدعاء، والذي تحول تدريجيًا إلى عبادة لهؤلاء الأشخاص أنفسهم. كذلك أخذوها عن أسلافهم القدامى الذين عبدوا "ودا وسواع ويغوث ويعوق ونسرا". وأخذوا تقديس النجوم والاعتقاد في تأثيرها على مجريات الأحداث، عن البابليين.

أما عن الآلهة نفسها، فمعظمها مأخوذ -كذلك- عن حضارات أخرى، ولكن تم تغيير اسمه وبعض صفاته ليتلاءم مع الطبيعة العربية. فـ"مناة" هي في الأصل الآلهة البابلية "مامنتو", وكانت -على الأرجح- آلهة للقدر والموت، و"العُزى" هي -في أقوال- "أفروديت"، وفي أقوال أخرى "إيزيس"، وكان اسمها أولا "العزيزة" ولكن العرب كانوا يميلون للتفخيم فسموها "العُزى" أي "الأكثر عِزة"، و"هُبَل" إله الشِعر وأعظم آلهة قريش تقديسًا، هو في الأصل "أبوللو" إله الشعر اللاتيني وهكذا..

وكان سادات العرب يعودون من أسفارهم بتماثيل يأمرون قومهم بعبادتها, أو يبتكرون آلهة جديدة، وينسجون حولها الأساطير، فيجعلون بعضها بنات الله، كمناة والعُزى، أو يجعلون أحدها زوجته، كاللات، ويقولون أنهن يُعبَدن مع الله للتقرب إليه!

ولأن العربي بطبعه يميل للنمط القبلي في الحياة، وما يتبع ذلك من تبعية شبه مطلقة لسيد القبيلة، فقد كان من السهل على سادات القبائل تغيير عقائد قومهم خاصة مع ما للعربي مِن ميل للبحث في أصول ما يحيطه من أشياء، وكانت تلك الآلهة وما يرتبط بها من أساطير للخلق والتحكم بالظواهر والأحداث تمثل للعربي البدوي تفسيرات مباشرة لأسئلته. فكان الأمر بمثابة صفقة بين طرفين، الأول هو رجل القبيلة العادي الذي ينال غايته في معرفة أصول الأشياء، والآخر -وهو المستفيد الأكبر- هو سيد القبيلة الذي يكتسب من نشره عبادة الأصنام بين قومه مكانة دينية عالية، فضلاً عن المكاسب المادية الناتجة عن القرابين والنذور المقدمة للآلهة.

السادة

كل إله عُبِدَ من دون الله في جزيرة العرب كان وراءه سيد يريد من نشر عبادته تحقيق غرض ما.. فإساف ونائلة أول من وضعهما عند الحرم كان "قُصَي بن كلاب"، و"ظلام بن سعد" هو أول من وضع العُزّى للعبادة، ونجم "الشعرى" أول من قدّسه كان "وجرة بن غالب الخزاعي".. كلهم كانوا سادات لقومهم، إلا أن من تفوق عليهم في تلك اللعبة الدنيئة كان "عمرو بن لحي الخزاعي"، وهو أول من جعل الأصنام تُعبَد في مكة!

فعمرو بن لحي كان من قبيلة خزاعة التي كانت -آنذاك- تسيطر على مكة، وكان أثرى قومه وأكثرهم عزًا ومنعة وأعلاهم كلمة، وكان يحب من حين لآخر أن يوطد سطوته بأن يضع التشريعات لأهل مكة.

تلك التشريعات لم تكن لأمور حياتية جدية ذات فائدة، بل كانت فيما يتعلق بالإبل والأنعام، وكانت شديدة العبثية والسفه، فقد شرّع أن الناقة التي تولد بعد عشرة نوق إناث ليس بينهن ذكر تُسَمّى "السائبة" فلا يُركَب ظهرها ولا يُجَزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، وإذا أنجبت أنثى سُمّيت المولودة بـ"البحيرة" وشُقّت أذنها وصار وضعها كما هو وضع أمها. والشاة لو أنجبت عشر إناث في خمس بطون ليس بينهن ذكر سُمِيَت "وصيلة" ويكون ما ولدت من حق ذكور أصحابها دون إناثهم إلا الميتة منها (وكانوا يأكلونها) فيشترك في أكلها الذكور والإناث. أما فحل الإبل إذا نتج له عشر إناث ليس بينهن ذكر صار ممنوعًا ركوب ظهره أو جز وبره وتُرِكَ يرعى ويجامع ولا يُنتَفَعُ به في غير ذلك وسُمِيَ "الحام"، وقد أنزل الله تعالى في ذلك:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103].

تلك التشريعات العبثية فرضها عمرو بن لحي على أهل مكة، وانتشرت بعد ذلك بين العرب. ولكن هذا لم يكفِه، فقد سافر إلى الشام والعراق للتجارة، فوجد قومًا يعبدون صنمًا فسألهم عنه فقالوا: "هو صنمنا إذا انقطع المطر توسلنا إليه فنُمطَر، وإذا حاربنا دعوناه فننتصر" فأخذ صنمًا منهم ونصبه في قلب مكة وأمر أهلها بعبادته -وهو"هُبَل"- ثم يقال إنه بعد ذلك أعاد إحياء عبادة آلهة قوم نوح "وَد وسواع ويغوث ويعوق ونسر"، وكان أول من أمر بعبادة إساف ونائلة (اللذين نقلهما قُصي بعد ذلك إلى الحرم).

وهكذا صار أول من بدّل دين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بقلب مكة، وتبدلت تلبية الحجاج من: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" إلى: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما مَلَك". وقد أخبر الرسول -عليه الصلاة والسلام- أنه رأى في معراجه إلى السماء عمرو بن لحي يجر أمعاءه في جهنم.

رجال الدين

ولأن لكل دين رجاله، فقد ظهرت الوظائف الدينية، كالسدنة، وهم خُدام الإله والواسطة بينه وبين العباد، وكانت مكانة السادن حسب مكانة إلهه، فكانت لسدنة الكعبة الصدارة، ثم سدنة الآلهة الكبرى كهبل واللات والعُزى، ثم سدنة باقي الآلهة.
كذلك ظهرت "الكهانة"، والكهنة هم رجال ونساء يدعون اتصال الأسباب بينهم وبين الآلهة والجن وسائر القوى الخارقة، فيتنبئون بالمستقبل والمجهول -بمعاونة الجن غالبًا- ويتحدثون بالسجع والرموز، ويحكمون فيما يجري بين العرب من نزاعات وما يغمض عليهم من أمور.

وجعلوا عند الأصنام "القِداح"، وهي جعبة بها سهمان مكتوب بأحدهما "افعل" والآخر "لا تفعل"، فإذا أراد المرء أن يقضي أمرًا استشار إلهه بضرب القداح، فإما أن يخرج سهم "افعل" أو أن يحجم عما أراد! وظهرت وظيفة "الناسئ" وهو رجل كانت وظيفته أن يحلل أحد الأشهر الحُرُم مقابل تحريم أحد الشهور الحلال، وهذا وفق ما تقتضي مصلحة قبيلته إذا أرادت قتالاً أو ثأرًا من قبيلة أخرى. فكان هذا من أشنع أنواع العبث بأشهر الله الحرم.

تلك الوظائف حرص سادة العرب على توطيد مكانتها حفاظًا منهم على مكانتهم السيادية بحكم إشرافهم عليها من حيث الإنفاق عليها وحماية عبادتها.

كذلك ظهرت بدعة جديدة بين العرب هي "الحمس"، وهم سكان مكة ومحيط الحرم من قريش وخزاعة، فقد كانوا يفرضون على أنفسهم طقوسًا غريبة أثناء موسم الحج كألا يمخضوا اللبن أو يصنعوا الزبد أو يغزلوا الوبر والشعر أو أن يستظلوا به، وفرضوا على الناس أن يطوفوا بالكعبة في ثياب خاصة صنعها الحمس، أو أن يطوفوا عرايا، فعلى حد قولهم: "لا يصح أن نطوف في ثياب قارفنا فيها الذنوب"، فكان أكثر الفقراء يطوفون بالكعبة -رجالاً ونساءً- عراة! وكان الرجل من الحمس إذا عاد لبيته أثناء الإحرام لم يدخله من بابه بل من ظهره! إلى آخر تلك السفاهات التي شرّعها سادات العرب ليذهبوا بالعقول ويصبحوا هم المتحكمين بها.

تلك البدع لم تمر دون محاولات من بعض العقلاء لمقاومتها، فقد رفض الكثيرون اعتناق تلك الخرافات وتمسكوا بدين إبراهيم. وكان من أبرز هؤلاء الذين اعتنقوا الحنيفية وسعوا للإصلاح "زيد بن عمرو بن نفيل" -أبو الصحابي سعيد بن زيد رضي الله عنهما- الذي أقسم ألا يسجد لصنم أو يأكل ما ذُبحَ تحت وثن أو يلبي بتلبية الشِرك، وحاول نشر مذهبه بين قومه فحاربوه واضطهدوه وطردوه من مكة فعاش شريدًا في الصحراء حتى تعرّض له بعض قطاع الطرق فقتلوه، فتنفس سادات مكة الصعداء ولكن إلى حين..

فمِمن عاصروا تجربة زيد بن عمرو بن نفيل، وتألموا لنبأ قتله، فتى من بني هاشم كان أصحاب الفراسة موقنين أن سيكون له شأن.. اسمه "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب"، وكان -صلى الله عليه وسلم- كلما تذكّر زيد بن عمرو بعد البعثة ترحم عليه وذكره بخير وعدّه من المؤمنين.

الخلاصة
تغيير دين إبراهيم -عليه السلام- كان جريمة مسلسلة توارثها زعماء العرب ليتمكنوا من خدمة أغراضهم الدنيوية في السيطرة على قومهم، فكان فسادًا منظمًا ضرب بجذوره في أرض الجزيرة، ولهذا فقد كانوا أول من حارب دعوة التوحيد عند ظهورها.

وللأسف.. فرغم انتشار دين الله، فإن الوثنية لم تذهب بكل أحمالها، بل بقيت لها آثار في الإيمان بالخرافات وتقديس قبور الأولياء واتخاذ المساجد عليها وانتشار أعمال الدجل والشعوذة والاعتقاد في قوى أخرى إلى جانب الله، تنفع وتضر.. ونظرة واحدة لما يجري عند أي مقام لأي من أولياء الله الصالحين -رضي الله عنهم- المدفونين في مصر، يجعلنا ندرك أن الوثنية لم ترحل بعد..

فالفساد العقلي إذا أراد أن يمتد للعقيدة.. فإنه يجد لنفسه ألف شكل يتنكر به.. وألف باب يدخل منه.. طالما بقي في الناس السفه والجهل..
الكاتب: وليد فكري

مصادر المعلومات:
1- البداية والنهاية: ابن كثير.
2- موسوعة تاريخ العرب: عبدعون الروضان.
3- تاريخ العرب القديم: د.توفيق برّو.
4- جزيرة العرب قبل الإسلام: برهان الدين دلّو.
5- موسوعة أساطير العرب: د.محمد عجينة.
6- تاريخ الشعوب الإسلامية: كارل بروكلمان.
7- محمد والذين معه: عبد الحميد جودة السحار.
8- فجر الإسلام: أحمد أمين.
9- تاريخ قريش: د.حسين مؤنس.

المُفسِدون في الأرض (2)

المُفسِدون في الأرض (2)
هكذا يعتقد متطرفو اليهود.. قتل غير اليهودي حلال!
أن تعتبر نفسك واحداً من "شعب الله المختار", أن ترى أنك وبني قومك بشر لكم حقوق وتطلعات ومن سواكم "أغيار" لا حقوق لهم على الإطلاق, أن يُصبِح مبدأك أن "الكل أعدائي.. الكل يريدون محاربتي والقضاء عليّ، ولكي أحمي نفسي يجب أن أعاملهم بأعتى أنواع الأذى والخداع وتزييف الحقائق", أن تُحَوِل دينك من رسالة سماوية عليا راقية نزّلها الله ليجعل من الإنسان كائناً أرقى, إلى عنصرية وتعصب وتحفز ورفض دائم للآخر..ماذا يكون هذا إلا فسادًا جديدًا في الأرض؟

نقطة التحول

عندما غزا نبوخذ نصر -الملك البابلي- مملكة يهودا, دمّر أورشليم وخرّب الهيكل وأحرق التوراة، وقسّم اليهود المأسورين ثلاثة أقسام, قسم استعبده وقسم قتله والقسم الأخير حمله معه إلى بابل فيما يُسمّى "السَبي البابلي". تلك التجربة القاسية -وما سبقها من تجارب عنيفة مع الآشوريين والمصريين من قبل- أحدثت في عقلية نسبة ضخمة من اليهود تغييرًا جوهريًا بقيت آثاره العميقة حتى الآن.

الخوف الدائم من الآخر, الافتراض المطلق لسوء نوايا المحيط, الاستعداد للإيذاء لمجرد الشك, استباحة الخداع والغش والإضرار بالآخرين لمجرد أنهم كذلك, الوحشية المفرطة في استخدام العنف مع الخصم, كلها صفات سعى رجال الدين اليهود -آنذاك- لنشرها بين قومهم, اعتقادًا منهم أنهم بذلك يُحدِثون في الشخصية اليهودية التغيير المنشود ليصبح الشعب اليهودي أكثر قدرة على التفاعل مع محيطه, خاصة بعد أن هزم قورش -مؤسس الدولة الفارسية- مملكة بابل وحرر اليهود ونقلهم إلى أرض فلسطين مجددًا. ومن المعروف أن تلك المنطقة كانت -ولفترة طويلة جدًا- ممرًا هامًا لجيوش الممالك الكبرى وساحة للمنافسة بين دول العراق ووادي النيل ومنطقتيّ الشام والأردن؛ الأمر الذي أدركه كبار رجال الدين والسياسة اليهود ورأوا أن السبيل الوحيد للتعامل معه هو تعديل الشخصية اليهودية بحيث تصبح أكثر تشككًا وعدوانية واستعدادًا للتعامل مع الآخرين بكل حدة ودون أدنى رادع عن استخدام أعتى ألوان العنف والتآمر.

ذلك التفكير كان متطرفًا للغاية وغير مُبرر, والدليل أن من بين الدول المجاورة لمملكة يهودا دولاً كانت تشغل مواقع متميزة مطموعاً فيها بشكل دائم بل وتعرضت بشكل مستمر لغزوات وهجمات, كالمملكة المصرية مثلا أو المدن الفينيقية, ومع ذلك لم تكن من سياسات حكومات تلك الدول أن تزرع في شعوبها ذلك النوع العنيف من "جنون الاضطهاد" الذي زرعه زعماء المملكة اليهودية في شعبهم.
شعب الله المختار والأغيار

اليهود كانوا من بداية بعثة موسى -عليه الصلاة والسلام- لهم, يؤمنون أنهم شعب الله المختار, وقد كانوا كذلك بالفعل, فقد كانوا وحدهم يؤمنون بالله في عالم اعتنقت فيه الشعوب مئات الآلهة من دونه عز وجل.

وقد تعددت التفسيرات لنظرية "شعب الله المختار"؛ فمنهم من قال: إنها بمثابة أمر إلهي من الله الذي اختار لليهود الذين اختيروا, ومنهم من فسرها بأنها تكريم من الله لليهود وتفضيل على العالمين. وآخرون قالوا: إنها مصير مكتوب على ما يسمى بأمة اليهود.
التفسيرات الثلاثة كانت تعني -لأي شخص عاقل- أن الاختيار يؤدي بشكل تلقائي ومنطقي لمسئولية على أكتاف المُختارين أن يكونوا عوامل نهضة للإنسانية؛ ولكن التلاعب والنظرة الضيقة للأمر جعلا كبار اليهود يأخذون من الاختيار شِق التشريف دون شِق التكليف, ونشروا بين شعبهم فكرة أن "اليهود لا تنطبق عليهم أحكام التاريخ"، وبالتالي فإن من حقهم أن يفعلوا كل ما يرون أنه في مصلحتهم دون خوف من إدانة تاريخية تسري على غيرهم إذا أخطأ.

الفساد الفكري لم يكن في مجرد وجود الإيمان باختيار الله للشعب اليهودي؛ ولكن في تفسير وتعريف المتطرفين من اليهود لذلك الاختيار. فبعد أن كان يعني وضع المسئولية الإلهية عليهم لنشر عبادة الله بين الأمم, أصبح يعني لهم التعصب للذات واحتقار من سواهم -أو من سماهم اليهود بـ"الأغيار" (جوييم)- واستباحة العدوان على دم ومال وعرض هؤلاء الأغيار, باعتبارهم "كائنات أقل منزلة من الإنسان اليهودي". وبعد أن كان تكريم الله للنفس البشرية، والأمر بصونها مستمدًا من إنسانية صاحبها بغض النظر عن جنسه ودينه وعرقه, أصبح يقتصر فقط على من كان يهوديًا؛ مما جعل العدوان على دم ومال وعرض غير اليهودي عملاً غير محرم؛ بل ربما كان مطلوبًا ومأمورًا به حسب فتاوى بعض أحبار اليهود.

ولأنهم اعتبروا أنفسهم الممسكون بمفاتيح اللعبة, سعى كبار اليهود للتلاعب بالقوانين؛ بحيث تفرق في الجزاء بين العدوان الواقع من يهودي على يهودي ومن يهودي على أحد الأغيار, بحيث تشدد العقاب على النوع الأول وتخففه -أو ربما ترفعه تمامًا- عن النوع الثاني.

ولكي يكون لتلك العملية الكبرى في تزوير الدين سند شرعي, وضع بعض رجال الدين اليهود -أثناء فترة السبي البابلي- تفسيرًا للأوامر الإلهية التوراتية والموسوية بشكل عام أطلقوا عليه اسم "التلمود", وهو لفظ مستمد من الكلمة العبرية "لامد" بمعنى "الدرس والتعلم"، اختلفت نسخه من حيث المساحة والتناول ولكنها اتفقت من حيث أنها تحتوي على الكثير من المواد التي تكرس التعصب الديني والعرقي وتزرع روح العنصرية في شخصية اليهودي المؤمن بالتلمود الذي تعتبره نسبة لا بأس بها من اليهود كتابًا أكثر قدسية من التوراة ذاتها!

ذلك التزوير في صميم الدين اليهودي, متلازمًا مع ما لرجال الدين من مكانة لدى مجتمعات الشرق القديم بشكل عام, وكذلك مع الاتجاه الطبيعي لليهود للتعلق بالروحانيات والميل للتدين خلال أزمة سبيهم وما تلاها, أديا لعملية تغيير نفسي وفكري ضخمة في شخصية معظم اليهود, بقيت آثارها حتى يومنا هذا ولكن بصور أكبر وأعمق.

الدولة الوظيفية

معظم اليهود, فيما بعد مرحلة السبي, أصبحوا شخصيات مصابة بالبارانويا, تنتظر دائمًا الأذى وتتوقعه من الآخرين وتتوجس منهم؛ مما جعل للجماعات البشرية اليهودية سمات خاصة, سواء كانت في شكل دول مستقلة أو شبه مستقلة, أو كانت في شكل جماعة تعيش كجزء من بنيان دولة.

وما كان سائدًا في العالم القديم هو شكل الدولة اليهودية كدولة وظيفية, أي دولة تنشأ وتعيش في ظل حماية دولة أو دول أكبر, ساهمت في بناء ودعم تلك الدولة لكي تؤدي وظيفة واضحة.

هذا ما كان من مملكة يهودا, فيما بعد التحرر من السبي, فخلال عهود الصراع بين ورثة الإسكندر الأكبر -السلوقيين في الشام والبطالمة في مصر- لعبت الدولة اليهودية دور الخادم المطيع لكلتا الدولتين الكبيرتين, حسب تفوق كل منهما, فإذا ارتفعت أسهم البطالمة, هرع إليهم كبار اليهود مقدمين فروض الطاعة والولاء, وإذ تفوق السلوقيون, سارع نفس الكبار لإعلان خضوعهم التام لهم. وتطور الأمر بشكل أكبر خلال عهد سيطرة الرومان على الشرق القديم؛ فقد لعبت الدولة اليهودية دور الجندي المخلص للسادة في روما, وذلك بضرب جيرانها لصالح الرومان ليسهل على هؤلاء الآخرين احتلال المنطقة دون مقاومة تذكر.

ذلك الدور المدمر للمملكة اليهودية لم يكن -بالتأكيد- العامل الأساسي في سقوط الشام ووادي النيل تحت الاحتلال الروماني البشع؛ ولكنه كان عاملاً يشير لمدى سوء نوايا تلك الجماعة البشرية واستعدادها للغدر بجيرانها "الأغيار" ظنًا بزعمائها أنهم بذلك ينقذون الشعب المختار من "الأغيار الآخرين", أي أن الأمر كان يجري من منظور "ضرب الأغيار بالأغيار". ذلك الدور كان نتيجة طبيعية للعبث الفكري المنظم بمعتقدات اليهود, من قِبل كبار علماء دينهم, وجعلهم يؤمنون بأن كل شيء مباح مع الآخرين طالما أنه يحقق مصلحة الشعب اليهودي الراقي.

الثمن

ولكن لتلك السياسة ثمن باهظ دفعه الشعب اليهودي. فذلك الدور الذي فرضه كبارهم على شعبهم خلق حالة من "توقف التاريخ". فبخلاف جيرانهم, لم ينتج اليهود -آنذاك- ثقافة حضارية كما فعل المصريون والفينيقيون والبابليون والأنباط؛ بل اقتصر دورهم على ضرب الآخرين والتعرض للضرب منهم؛ مما وطد الفكرة السائدة عنهم وقتها كجماعة لا تجيد سوى التدمير والقتال لأجل الآخرين, أي أن زعماء اليهود حولوا شعبهم بالكامل لمرتزقة لصالح غيرهم, وبدلا من أن يتعاونوا مع جيرانهم لطرد المحتل الروماني وخلق عملية تبادل حضاري شرقي كبيرة -كما كان يفعل هؤلاء الجيران- أصبحوا بمثابة معول هدم للأمم المجاورة؛ بل ولأنفسهم, فمعنى تحولهم لـ"دولة وظيفية" هو أنهم اختاروا ربط وجودهم بوظيفة محددة, طالت فترتها أو قصرت, مصيرها الانتهاء.

وهذا ما حدث, فبعد أن لعبت مملكة يهودا الدور الكبير في ضرب البطالمة والسلوقيين (خلال فترات ضعفهم وصعود نجم الرومان) وكذلك إضعاف الأنباط, وبعد أن استقر النسر الروماني على الشرق بشكل كامل, أصبح الشعب اليهودي في فلسطين مجرد عالة على روما التي أدارت وجهها له بالتجاهل أولاً, ثم كشرت له عن أنيابها وأحدثت في اليهود مجازر ومقاتل عنيفة، وانتهى الأمر بأن طرد الرومان اليهود خارج أرض فلسطين وحرموها عليهم, حتى فتحها العرب في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وسمحوا للعائلات اليهودية بالعودة إليها.

الخيط الممتد

كل تلك الكوارث التي حلت بالشعب اليهودي قديمًا كانت نتيجة طبيعية للتزييف الذي تعرضت له معتقداته عل يد قادته, تلك الجريمة التي امتد أثرها في شكل خيط طويل عبر التاريخ إلى يومنا هذا، وأصبح جزءًا من ثقافة نسبة ضخمة جدًا من اليهود. وبرغم أنهم عاشوا في سلام في عهد الحضارة الإسلامية الممتدة من الصين والهند وسيبيريا إلى الأندلس والمغرب؛ إلا أن ذلك الجرح الغائر الذي أحدثه بعض الأحبار في بابل خلال سنوات السبي, بقي أثره متوارثًا لدى بعضهم. فصحيح أن العهد العربي الإسلامي قد شهد اندماج الجماعات البشرية كلها -بما فيها اليهود- في نسيج الدولة, ومدى إسهام اليهود العرب في بناء الحضارة وصدق رغبتهم في الاندماج والذوبان في البنيان الحضاري العربي, إلا أن الفكرة المتطرفة لـ"الشعب المختار والأغيار" بقيت كورم سرطاني كامن ينتظر اللحظة المناسبة للتوحش والخروج, كأي فكر متطرف لأي جماعة بشرية أو دينية أيًا كانت؛ فالتاريخ يعلمنا أن التطرف لا يموت؛ بل يكمن.

ذلك الخيط وجد لنفسه غزلا ينسجه عندما انطلقت فكرة الصهيونية اليهودية وفكرة بناء الدولة الإسرائيلية الجديدة, كدولة وظيفية أيضًا رعتها دول كبرى هدفت من خلال تأسيسها لخدمة أغراض معينة. وكأنما لم يتعلم الذين نادوا بقيام الدولة, من اليهود, الدرس القديم. ولأن العرب من "الأغيار" فقد استباح الصهاينة أن يفعلوا كل شيء وأي شيء من أجل دعم هدفهم, من احتلال الأرض العربية بحجج واهية من نوعية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض", وتغيير هوية تلك الأرض لطمس أدلة كذب القائلين بأن فلسطين "أرض بلا شعب", وإخراج تقارير مفتراة تتهم -زورًا- الحكومات العربية, فيما بعد 1948, باضطهاد مواطنيها من اليهود وتنفيذ مجازر بحقهم, والقيام بعمليات تخريبية في الدول المجاورة, واستخدام القوة الغاشمة لضرب السكان الأصليين للأرض المحتلة.

كل تلك الجرائم يعتقد منفذوها أنها "حلال" طالما أنها بحقنا نحن "الأغيار". نعم.. هناك واقع عسير التصديق يقول: إن الصهيوني الذي يدير مذبحة أو ينفذ عملاً تآمريًا أو تخريبيًا يؤمن بشرعية ما يقوم به(!!) وأنه يخدم قضية عادلة مستعدًا للموت في سبيلها.

لا أقول إن كل اليهود يؤمنون بتلك الأفكار الهدامة -لا قديمًا ولا حديثًا- بل إن من بينهم الآن من قام لمقاومة تلك الآفات الفكرية بعد أن أدرك خطورة أثرها على اليهود والإنسانية كلها, كالبروفيسور الأمريكي اليهودي جوئل بنين أو كالمفكر الإسرائيلي د.إسرائيل شاحاك, وغيرهما. ولكن لأن صوت التطرف لا يحب أن يسمع سواه؛ فقد انطلقت الأبواق الصهيونية تهاجمهما، وكل من يفكر مثلهما, وتتهمهما بخيانة اليهودية وعصيان أوامر الله, في قلب متبجح للحقائق!

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} هكذا قال الله؛ لكن للأسف, يصر بعض البشر أن يخلقوا بحماقاتهم أوزارًا وهم يريدون -عامدين- أن يحملها أبناؤهم.. وذلك التعصب والتطرف الصهيوني الدموي المدمر هو حصاد تلك البذرة السامة التي زرعها بعض أحبار اليهود في بابل منذ آلاف السنين, ليحمل وزرها أبناؤهم وأحفادهم عبر العصور!
الكاتب: وليد فكري


-مصادر المعلومات:-
1- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: د.عبد الوهاب المسيري.
2- اليد الخفية: د. عبد الوهاب المسيري.
3- الجماعات الوظيفية اليهودية: د. عبد الوهاب المسيري.
4- الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: د. عبدالوهاب المسيري.
5- الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: د. إسرائيل شاحاك.
6- البداية والنهاية: ابن كثير.
7- محمد والذين معه: عبد الحميد جودة السحار.
8- اليهود في تاريخ الحضارات الأولى: جوستاف لوبون.
9- تاريخ اليهود في بلاد العرب: د. إسرائيل ويلفنسون.
10- تاريخ يهود النيل: جاك حاسون.
11- أساطير اليهود: لويس جنزبرج.
12- اليهود في فلسطين في العصرين البطلمي والسلوقي: د. هاني عبد العزيز جوهر.
13- الشرق الأدنى في العصرين الهيللينيستي والروماني: د. أبو اليسر فرح.
14- يهود العالم العربي, دعاوى الاضطهاد: د. زبيدة محمد عطا.
15- اليهود في العالم العربي:د. زبيدة محمد عطا.
16- أهل الذمة في مصر:د. قاسم عبده قاسم.
17- الأسطورة والحكاية الشعبية في العهد القديم: د.كارم محمود عزيز.

المُفسِدون في الأرض (1)

المُفسِدون في الأرض (1)
لا تسمح لـ "بروتاجوراس" بإقناعك بكلامه الفارغ!

إذا كان أول فساد في الأرض هو قتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالفساد الحقيقي بدأ من نشأة "الفكر" الذي سمح لقابيل أن يستبيح دم أخيه. نعم؛ فلا أكثر فسادًا في الأرض من فكر فاسد يقلب الظلم عدلاً والباطل حقًا والشر خيرًا..
عن المفسدين في الأرض.. عن كل من أفسد عقلاً ونشر فكرًا مختلاً.. نتحدث..
ولأن اليونان كانت قديمًا رائدة للفكر الحر, ومُصَدِّرة للأفكار الفلسفية -البنّاء منها والهدام- فلتكن البداية منها.


السفسطائيون

كلمة "سُفسطائي" كانت تعني -آنذاك- "المعلم"، وكانت تطلق على طائفة من المعلمين الجوالين المنتشرين في مدن اليونان قبل الميلاد بأربعمائة عام تقريبًا؛ حيث كانوا يمارسون عملهم لقاء أجر مادي.

وكانت مجالات تعليمهم متنوعة وفي ذلك الوقت كانت المدن اليونانية -بالذات أثينا- تشهد ثورة فكرية عارمة على الأفكار التقليدية المتوارثة، وعلى كل ما هو ثابت وراسخ في ضمير اليونانيين.

مشكلة تلك الدعوة أن ظاهرها جذاب؛ بينما هي في الحقيقة تهدد بدمار المجتمع؛ فهدم كل ما بُنيَ عليه -بلا استثناء- يعني هدم أسسه وإقامة حاجز بين ماضيه ومستقبله؛ بالإضافة لصعوبة اتفاق الثائرين على مبادئ واحدة يبنون عليها المجتمع الجديد؛ مما يعني أن تلك الحركة بدلاً من أن تكون حركة تجديدية لما هو موجود، أصبحت حركة هدامة تعيد مجتمعها قرونًا إلى الوراء، إلى ما قبل اتفاق أفراده على القيم والأسس التي أقاموه عليها من البداية.

السُفسطائيون التقطوا تلك الثورة على الثوابت، وقرروا إذكاءها وركوب موجتها؛ فأنشأوا فكرهم الفلسفي الذي اشتهروا به على مر التاريخ. وظهر بينهم الرواد في هذا الفكر وأشهرهم "بروتاجوراس" و"جورجياس" و"بروديكوس" و"هبياس", وأخذوا على عاتقهم مهمة تعليم الشباب طرق الوصول لتحقيق أعلى المكاسب السياسية والوصول لأرفع المناصب من خلال تعليمهم طرق اللعب بالألفاظ وكسب المساجلات الحوارية من خلال البراعة في البلاغة والقدرة على قلب الحقائق باستخدام المهارات اللغوية؛ بحيث يكسب تلميذهم النقاش لا لقوة حجته وعدالة قضيته؛ بل فقط لقدرته على استخدام اللغة وتصويراتها البلاغية وفصاحته بها في إقناع الآخرين بما يقول.
وكان هذا أمرًا مفيدًا -من الناحية النفعية البحتة- في ظل النظام الديمقراطي الثوري الناشئ الذي اختلت فيه مقاييس الصواب والخطأ ومعايير صلاحية هذا الفرد أو ذاك لهذا المنصب أو ذاك.

الفكر

كان فكر السُفسطائيون ببساطة يقوم على أن الإنسان هو مقياس كل شيء. فبعد أن كان الناس يؤمنون أنهم يعرفون الأشياء من خلال الحواس التي تراها أو تسمعها أو تشمها أو تلمسها, والعقل الذي يترجم ما تتلقاه الحواس إلى إدراك لها ولطبيعتها, قال السفسطائيون بأن الإنسان هو الذي يحدد ماهية الشيء فضلاً عن وجوده من الأساس؛ فأنت إن رأيت شيئًا فهو موجود؛ حتى وإن لم يرَه غيرك، وإن لم ترَه فهو غير موجود حتى لو أجمع العالم كله على رؤيته، ولم يجعلوا تلك الفكرة منطبقة على الماديات فقط، بل عمموها وجعلوها تشمل -في الأساس- المعنويات من حق وباطل وعدل وظلم؛ فجعلوا الإنسان مقياسا لهذه الأشياء؛ فمن يرى في أمر ما عدلاً فليفعله؛ حتى وإن رآه آخرون ظلمًا، وإن رأى لنفسه حقًا في فعلٍ ما، فهو الحق؛ حتى وإن قال غيره إنه باطل طالما أن لديه قوة فرض هذا "الحق". وعلموا تلاميذهم أن يجيدوا الدفاع عن الشيء ونقيضه بنفس الحماس؛ بحيث يكسبون القضية على أساس التلاعب بالكلمات بشكل يربك خصمهم ويقنع الحكم بأن ما يقال هو الحق المطلق ولو كان باطلا، حتى أن أحد أساتذتهم وهو جورجياس قال: "ليس من الضروري أن تعلم شيئًا عن موضوع النقاش لتجيب عن السؤال المطروح عليك؛ بل يمكنك كسب المحاورة من خلال بلاغتك وفصاحتك"، مما يعكس طريقة تفكيرهم.

السقوط

الفكر السُفسطائي أدى لموجة عاتية من اختلال المعايير في المجتمع اليوناني القديم مما أثار خوف العقلاء والمحافظين من اليونانيين -بالذات الأثينيين- فثاروا على السُفسطائيين وطاردوهم في كل مكان وأحرقوا كتبهم، بالذات رائد المدرسة السُفسطايئة "بروتاجوراس" الذي شكك في آخر كتبه في وجود الآلهة؛ فخرج عليه أهل أثينا وأحرقوا كتبه، مما دفعه للفرار منهم إلى صقلية، ولكن المركب الذي استقله جرفته عاصفة قوية وحطمته، فغرق..

مأساة سُقراط

بعد هزيمة السُفسطائية، حاول سقراط أن يصلح ما أفسده ذلك التيار المدمّر، فكانت فلسفته تعتمد على المحاورات وطرح الأسئلة على مدعي الحكمة واحدًا تلو الآخر حتى يصل المدعي لمرحلة العجز عن الإجابة؛ فإما أن يعترف بجهله ويطلب العلم من جديد، أو أن يُفضَح عناده وادعاؤه ويعلم الناس حقيقته.

طريقته وأفكاره

كانت طريقته تعتمد على إعلانه أنه جاهل يطلب العلم والحكمة من الحكماء، ويذهب للرجل المعروف بالحكمة ويطلب منه أن يناقشه في تلك المسألة أو تلك ليستفيد -سقراط- من حكمة محدثه وعلمه الغزير. فيقع الرجل في الفخ ويبدأ في الحديث، وكلما قال شيئًا أثنى سقراط على حكمته وطرح سؤالاً قويًا عن هذا الشيء، وهكذا حتى يتعب الرجل ويعترف بجهله.
وكان سقراط يرفض أن يوصف بالحكيم، فيقول عن نفسه -عن اقتناع- إنه جاهل ينشد العلم وإنه مجرد محب للحكمة يبحث عنها، إيمانًا منه أن هذه هي الطريقة الوحيدة لنيل العلم الحقيقي والحكمة العالية.
ولكن سقراط بدأ في التطرق بكلامه للسياسة.. فأثار عليه حفيظة أعدائه واكتسب منهم المئات!

أعداء سقراط

فقد قام سقراط بمهاجمة فكرة الديمقراطية؛ حيث استنكر أن يصل الزراع والصناع للحكم وهم غير متخصصين في السياسة ولا عاملين بها ولا خبرة لهم بشئونها، وهاجم كذلك الحكم الأرستقراطي حيث استنكر احتكار فئة بعينها للحكم. مما أثار ضده عداوة أنصار الاتجاهين، بالذات الديمقراطيون الذين ما إن انتصروا في صراعهم ضد النظام الأرستقراطي حتى قرروا الانتقام من سقراط.
الديمقراطيون تحالفوا ضده مع من فضح جهلهم من مدعي العلم والحكمة، وكذلك مع المحافظين المتشددين الذين خشوا أن يكون سقراط داعيًا سُفسطائيًا جديدًا، وقرر المتحالفون تقديمه للمحاكمة بثلاث تهم: إنكار الآلهة - الدعوة لآلهة جديدة - وإفساد عقول الشباب.

المحاكمة والنهاية

جرت المحاكمة بعد أن مثّل الادعاء عليه ثلاثة من أعدائه هم "ميليتوس" و"لايكون" و"أنيتوس"، وكان هذا الأخير من زعماء الديمقراطيين الراغبين في التخلص من سقراط. وبدلا من أن يطلب سقراط الرحمة من القضاة، قدم حججه بقوة وأشار إلى أن موقف قضاته مشين حين يحاكمون رجلاً يريد إصلاح مجتمعه، فغضب القضاة وحكموا بإدانته، وقضوا بإعدامه بالسُم بناء على طلب المدعين ضده.

تم حبس سقراط تمهيدًا لإعدامه، وعرض عليه أتباعه تهريبه خارج السجن والبلاد كلها، وكان هذا آنذاك شديد السهولة؛ نظرًا لانتشار الفساد وسهولة رشوة الحراس.

ولكن سقراط الذي كان ينادي باحترام القوانين رفض أن يخالف مبدأه إنقاذاً لحياته، وخضع للحكم الذي نُفِّذَ فيه بعد ثلاثين يومًا من محاكمته.

وللأسف.. فإن الإنسان يصرّ على تبني أخطاء أسلافه. فمذهب السُفسطائيين "السفسطة" ما زال الغالب على أسلوب البعض في تفاعلهم مع المشكلات والمناقشات, فيُلبسون الحق رداء الباطل، ويلونون الباطل بألوان الحق, مما يجعل المرء يحار فيهما فيفقد المجتمع معاييره للصواب والخطأ.

ومأساة سقراط مازالت تتكرر إلى يومنا هذا؛ فكم من مُصلح حاربه قومه؛ فقط لأنه جاء بجديد, دون أن يفكّروا فيما إذا كان ذلك الجديد لصالحهم أم لغير ذلك, معتقدين أنهم إنما يحمون مجتمعهم من التيارات المدمرة للتقاليد التي تحولت لديهم إلى أوثان هم عليها عاكفون..

إن عالم اليوم هو التلميذ الذي تعلم جرائم الماضي -أستاذه- فتفوق عليه..
الكاتب: وليد فكري

مصادر المعلومات:
1- فلاسفة أيقظوا العالم: د.مصطفى النشار.
2- قصة الفلسفة اليونانية: د.زكي نجيب محمود - د.أحمد أمين.