‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات و أحمد خالد و خالد توفيق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات و أحمد خالد و خالد توفيق. إظهار كافة الرسائل

في إنتظار التترات

في إنتظـار التتـرات


سأعترف لك بشيء: أنا أمقت أكلة لحوم البشر.. إنهم سمجون يفتقرون لروح الدعابة، ولهم عادات غذائية مقززة نوعًا
مصاصو الدماء كذلك لا يوحون بالثقة.. إنهم يكذبون كثيرًا جدًا جدًا.. موضوع أن تسمح لهم بالدخول بكامل إرادتك الحرة يجعلهم لا يكفون عن الكذب..
أما المذءوبون فهم لطيفو المعشر.. لا أملك تحفظات ضدهم، لكن عليك أن تتذكر التقويم القمري جيدًا.. لو جلست مع رجل مهذب، ولاحظت فجأة مع قدوم الليل أنه متوتر قلق وأن عينيه تحمران وأنه يريد أن يترك وشأنه.. ولو دفن وجهه بين ذراعيه ثم رفعه؛ لتجد أنك تحدق في وجه ذئب، فهي مشكلتك أنت
الزومبي كذلك لا يروقون لي؛ بسبب رائحتهم الكريهة.. هم بطيئو الحركة ويمكن أن تفر منهم، لكنك تنسى عامل الدهولة أو التورط، حيث ترتبك وتتعثر وتسقط على الأرض، وحينما تنهض على قدميك تكتشف أنك محاط بعشرين منهم.. إنهم يتحركون ببطء لكن بثقة
بصراحة.. لو كان عليك الاختيار ولو كان عليك أن تجد عريسًا لابنتك، فعليك بالمذءوبين.. فقط تأكد من أن تبتعد عن يوم الاكتمال القمري

*******
أقدم لك نفسي: ديفيد كالاواي.. بطل أفلام رعب.. لا أعني أنني ممثل بل أعني أنني أعيش في فيلم رعب فعلاً.. أنت مندهش.. أليس كذلك؟.. أنت تعتقد أنه لا وجود لحياة بطل الفيلم داخل الفيلم.. إنه مجرد سيناريو مكتوب وممثلين.. حسن.. دعني أؤكد لك أن لنا حياتنا الخاصة بالداخل.. أنا كائن حي لي إرادة مستقلة داخل الشاشة
لماذا أنا ديفيد؟.. هل رأيت فيلمًا أمريكيًا بطله ليس ديفيد أو سام من قبل؟.. إن سيطرة اليهود على هوليوود أمر صار مملاً
هناك قواعد عامة جمعها محبو أفلام الرعب؛ ليعرف بها البطل كيف يظل حيًا حتى تترات النهاية.. أنا جربت هذه النصائح ووجدتها مفيدة كلها.. والسبب هو أن كتَّاب أفلام الرعب ينقلون من بعضهم نقلاً حتى صارت هناك قواعد ثابتة نعرفها
في البداية أنا أراقب التترات لأعرف أين اسمي بالضبط.. لو كان اسمي هو الأول ضمن الممثلين فأنا سأعيش حتى النهاية.. طبعًا هناك أفلام إيطالية شنيعة اسمها الجياللو يموت فيها الجميع حتى البطل والمخرج والمصور، لكن سنفترض أن هذا الفيلم أمريكي
هناك طريق سريع في مكان ما من الغرب الأمريكي.. أنا أقود سيارتي الفارهة جوار فتاتي وأُصغي لموسيقا الروك. اسمها سارة -تأثير يهودي آخر- وترتدي ثيابًا خليعة.. هي كذلك مدمنة مخدرات.. هكذا أعرف يقينًا أنها ستكون الضحية الأولى.. الفتيات الخليعات يمُتْنَ في نصف الفيلم الأول
*******
يمكنني الآن أن أصنِّف الفيلم الذي نحن فيه بسهولة.. هذا من أفلام الطرق السريعة.. هناك مليون فيلم بهذه الطريقة.. رحلة في طريق سريع مقفر.. ربما تطاردنا شاحنة مجنونة أو يستوقفنا شرطي سير أو تتعطل السيارة.. بعد هذا نجد أنفسنا في بلدة ليست على الخرائط، ويعيش فيها أكلة لحوم بشر أو عبدة شيطان أو مسوخ تشوهت بالانفجار النووي.. طبعًا الشرطي جزء من هذه المؤامرة.. و.. فعلاً.. السيارة تصدر أصواتًا غير مريحة على الإطلاق.. إنها موشكة على أن تتعطلماذا ينتظرنا.. هل لاحظ أحد اسم الفيلم؟.. هذا غريب.. أنا لم ألحظه وكان يمكن أن يساعدني.. لو كان اسم الفيلم الغيلان أو عندما يكتمل القمر مثلاً لأمكننا أن نتوقع ما سنراه
قالت سارة وهي تقذف في فمها بقطعة لادن: اسم المخرج خافير لوبيز
آه !.. ذلك الوغد المكسيكي السادي!.. أعرفه.. سوف يكون فيلمًا داميًا فعلاً، فهو على شيء من المرض النفسي.. غالبًا لن يكون هناك شيء خوارقي.. مجرد مجموعة من السفاحين
سوف نرى.. سوف نرى
*******
السيارة تالفة فعلاً.. لا أعرف ما المشكلة، لكني أنظر إلى الأفق عالمًا أنني سأرى البلدة.. لا شك في هذا.. لو لم توجد بلدة فلا فيلم هنالك.. سارة تنظر لي عبر زجاج السيارة وتلوك اللادن. لو تركتها هنا سأعود لأجد عنقها قد طار طبعًا.. ربما كان من الأفضل أن تأتي معي
طلبت منها أن تلحق بي، ولم أنس أنْ أدُسَّ في جيبي مسدسًا وخنجرًا.. معي صليب صغير لكنني لن أستعمله، فأنا متأكد من أن هذا ليس فيلمَ مصاصي دماء.. مصاصو الدماء تقابلهم في الأفلام ذات الجو الفكتوري.. حيث الشمعدانات والكونتيسات والقِلاع المهجورة، أو تقابلهم في صورتهم العصرية بمعاطف الجلد الطويلة وموضات (البانك) فوق أسطح نيويورك
مشينا في الصحراء بعض الوقت.. أعرف أن الظروف مناسبة جدًا كي تخرج دودة عملاقة من الرمال تبتلع سارة وتغوص ثانية.. لكن هذا لم يحدثهذه هي البلدة.. خالية تمامًا والريح تعوي في شوارعها، وهذا الباب يُفتَح ويُغلَق بلا انقطاع.. هناك كنيسة صغيرة أو ما يبدو كذلك.. بالطبع لا تكون الكنيسة كنيسة في هذه البلدان المهجورة أبدًا.. أنت تدخل لتجد مذبحًا تمارس فيه عقيدة غامضة.. ربما تجد فتاة مقيدة يستنزفون دمها
هناك حانة صغيرة.. ندخلها... وأتجه إلى الكاونتر وأقرع الجرس
لحظة !.. هل تلاحظ أن صوت الموسيقى قد توقّف؟ كانت هناك موسيقى تصويرية وتوقفت.. ثمة شيء موشك على الحدوث
سارة تفتح خزانة جدارية صغيرة فيعوي قط واثبًا منها.. تطلق سارة صرخات الهلع وتثب للخلف.. ثم تهدأ قليلاً وقد أدركت أن هذا قط
لكني أعرف أفضل منها.. القط في أفلام الرعب لا يمر بسلام أبدًا.. إنه خضة مزيفة تجعلك تطمئن قبل أن يأتي الرعب الحقيقي بثوان
قلت لها وأنا أنظر حولي: سوف يثب شيء علينا الآن.. توقّف الموسيقى التصويرية لا يريحني
*******
هنا حدث ما توقعت.. انفجرت الموسيقى التصويرية، ووثب ذلك الرجل من خلف الكاونتر.. رجل ذو وجه مشوه تمزق أكثره.. وثب علينا ثم سقط وقد اصطدم بالكاونتر نفسه.. ارتطم رأسه بالرخام وتكوم هناك خلفه
جريت لأعرف ما حل به فأدركت أنني كنت محقًا بصدد نوعية الرعب في هذا الفيلم.. هذا رجل تعرض لخطر مرعب.. خطر يلتهم أكثر جسدك.. هل هو صاحب الحانة ؟.. لا أعرف.. إنه ميتسمعت سارة تصرخ من جديد فنظرت للخلف كان ذلك المسخ الشبيه بالإنسان يزحف على أربع خارجًا من باب جانبي.. إنه يحمل شكلاً بشريًا لكنه يعوي كالذئاب والدم يسيل من شدقيه.. لا داعي للبحث عمن قتل الساقي أو صاحب الحانة.. إنه أمامي الآن
أخرجت المسدس وأطلقت ثلاث رصاصات على ذلك الشيء فعوى بجنون ثم تكوم على الأرض في بركة دم
سألتْ سارة وهي ترتجف: ما.. ما هذا؟
ركلتُ الجثة بطرف حذائي وقلت: نتيجة تجربة نووية يقوم بها الجيش الأمريكي في هذه الصحراء.. هذا احتمال. ربما التوأم السيامي المشوه لصاحب الحانة.. ربما هناك عالم مجنون قريب من هنا يعبث بالجينات..
- لكن هذا مرعب
قلت: ومَن قال يا عزيزتي إننا في فيلم كوميدي أو عاطفي؟.. هذا فيلم رعب فلا أقل من أن يتم إرعابنا فقط أدعو الله ألاّ يكون فيلمًا كل مهمته أن يعرض لنا براعة الماكيير.. إن هذه الأفلام كثيرة جدًاسمعتُ سارة تصدر صوتًا غريبًا فنظرت لها.. كانت تعوي كالوحوش، ثم إنها سقطت على يديها وركبتيها وبدأ الزبد يسيل من شدقيها
يا لك من مخبولة..!.. هل جرحك المسخ فنقل لك العدوى؟.. لقد تحولتِ بسرعة جدًا.. كنت أعرف أنك ستموتين لكن ليس بهذه السرعة
*******
ضغطتُ على أعصابي وصوبت المسدس نحوها وأطلقت رصاصتين.. ما زالت معي عشر طلقات في جيبي، ومعي رصاصة فضية لو قابلت مذءوبًا، لكن لا أعتقد أنني سأحتاج لها في هذا الفيلم.. المخرجون المكسيكيون لا يحبون المذءوبين.. ليسوا جزءًا من ثقافتهم
ونظرت في حسرة إلى الجثة.. جميلة جدًا للأسف ولم أقبِّلها ولا مرة، لكن سيكون عليّ أن أحرق جثتها وجثة صاحب الحانة لأن هذه المسوخ تنهض دائمًا في الوقت غير المناسب

هكذا أحضرت عددًا من زجاجات الخمر وسكبتها على الجثتين وتأهبت لأن أشعل عود ثقاب، عندما سمعت من يقول بصوت واهن: المقبرة.. كل شيء بدأ من المقبرة

مشيت بحذر نحو مصدر الصوت فوجدت ذلك المزارع العجوز يجلس على الأرض في ركن القاعة محملقًا في الفراغ وهو يردد: المقبرة.. اذهب هناك لتعرف بنفسك

عندما دققت النظر أدركت أنه كفيف.. القاعدة الأولى في أفلام الرعب هي أن العجوز أو الأبله الذي يردد: (المقبرة أو البحيرة) صادق دائمًا ويعرف الكثير، لكنه كذلك يموت مبكرًا جدًا. القاعدة الثانية المهمة هي: لا تذهب هناك أبدًا... (هناك) هذه قد تكون أي مكان.. فقط لا تذهب إليه


تركته حيث هو وقد نسيت موضوع الحرق هذا.. في الخارج كان العصر يغمر البنايات بشمسه غير الرحيمة، وكانت الريح الساخنة تهب من مكان ما مع الرمال


*******

رأيت من خلف البناية سيارة شرطة تقترب.. إنه المأمور.. يترجَّل منها وهو يحمل بندقية من الطراز الذي يشدون فوهته للتلقيم فتحدث صوت (كليك كلاك كليك).. لا أعرف اسمها لكنها موجودة دائمًا في هذه الأفلام


صبرًا.. لقد سمِع صوت الطلقات وجاء يتبين الأمر.. مأمور الريف بالكرش والسروال المتدلي والقبعة والنجمة على صدره وكل (الألاطة) اللازمة..


لكن هذا المأمور يملك شيئًا آخر هو اللسان المشقوق الذي يخرج ويدخل بلا توقف.. إنه منهم لو كان لي أن أقول هذا
كان ظهره لي ولم يكن أمامي الكثير من الوقت لأتردد.. أحكمت التصويب ثم أطلقت رصاصة دقيقة على رأسه.. استدار ونظر لي ثم سقط أرضًا.. المؤثرات الخاصة بإطلاق الرصاص غير متقنة في هذا الفيلم.. كان ينبغي أن تقذفه الطلقة للأمام وأن نرى الثقب بوضوح والدخان يتصاعد منه، فلابد أن هذا فيلم قليل التكاليف صنعه مستقلون عن نظام هوليوود


Indies

على كل حال اتجهت لجثته وانتزعت البندقية من يده سوف تكون مفيدة عندما نصل لذروة الفيلم
اتجهت إلى سيارة الشرطة واتخذت موضعي خلف المِقود.. كان صوت جهاز اللاسلكي عاليًا فسمعت من يقول: (روي).. نحن متأكدون من وجود شاب وفتاة في الحانة.. سنعد النار ومعدات الشواء إلى أن تعود بهما


فهمت.. هذه القصة مكررة أكثر من اللازم.. حسب أفلام الرعب الأمريكية، فمن النادر جدًا أن تقابل بلدة في ضاحية يأكل أهلها الدجاج واللحم البقري.. كلهم يأكلون البشر


بدأت الجثتان في الحانة تتحركان.. تمشيان.. ثم رأيتهما على الباب.. سارة وصاحب الحانة يتقدمان نحوي.. طبعًا تُمسِك سارة بذراع العجوز الكفيف وتقضم منها قطعًا.. لقد صار هذا مملاً خاصة أن الذراع غير متقنة الصنع


أدرت المحرك وأنا أعرف أنه لن يدور.. مهما كانت السيارة جديدة فالمحرك لن يدور ما دمت أستخدمها للهرب...هيا.. كرو كرو.. كرو كرو.. كرو كروأخرجت فوهة البندقية من النافذة وفجَّرت رأسي الاثنين مرة أخرى.. ثم عدت أحاول.. أخيرًا.. دارت السيارة وانطلقت تنهب الطرقات


صحت في فرحة ونظرت لمرآة الرؤية الخلفية فرأيت ذلك الشيء الذي كان يتوارى في المقعد الخلفي!.. لقد نسيت أنك لا تنجح أبدًا في الفرار بالسيارة في أفلام الرعب


الأسوأ هو ذلك الصف من الموتى الأحياء الذي يقف ليسد الطريق عليّ.. لا يهم.. سوف أصدم هذا الجمع فأمزق عشرة على الأقل


*******


اندفعت السيارة وسط صفوف الموتى الأحياء.. إن ذوي الأعناق الحمراء


Rednecks

لا يطاقون أصلاً، فكيف لو تحولوا إلى زومبي؟


يمدون أيديهم عبر الزجاج.. أحدهم وثب على الزجاج واصطدم به وتهشَّم وجهه فسال دمه.. يحب المخرجون الجدد هذه المؤثرات المقرفة جدًا.. لكني أعتقد أن هذا المسخ الذي ضرب الزجاج صُنع بالكمبيوتر


CGI


لأنه لا وزن له تقريبًا، ويطير بتلك الطريقة غير المقنعة المميزة للتحريك الرديء


استدرت وأنا مستمر في القيادة وأطلقت طلقة واحدة على رأس ذلك الشيء الذي كان في المقعد الخلفي


دخان ورائحة البارود ومخ ذلك الشيء... سينجح هذا الفيلم لأن الأمريكان يحبون هذه الأشياء


أوقفت السيارة أمام تلك البناية الخشبية وجريت لأدخلها.. ومن بعيد سمعت صوت من تبقَّى حيًا من هؤلاء، كانوا قادمين نحوي ببطء لكن بثقة.. هناك مخزن بالداخل وهناك برميل وقود ركلتُه ليُغرِق الأرض، ثم وثبت من نافذة صغيرة هناك إلى الخارج وواربتها خلفي.. بسرعة درت حول البناية ورأيت آخِر هؤلاء الموتى الأحياء يترنح ليدخل البناية.. بسرعة أغلقتُ الباب من خلفه ووضعت صخرة خلفه
جريت للنافذة الصغيرة وأشعلت عود ثقاب ثم فتحتها وأنا أطلق سُبَّة بذيئة.. يحب الأمريكان الشتائم التي تبدأ بحرف


F أو S


على أية حال.. ألقيت بعود الثقاب وأغلقت النافذة وابتعدت.. هذه لحظة رائعة.. سوف يجد المخرج ضالته وهو يظهر احتراق هؤلاء القوم وهم يترنحون، أو وهم يدقون على الباب محاولين الخروج


*******


البناية كلها تشتعل.. الدخان الأسود يتصاعد لعنان السماء وأنا ألهث.. لكن التترات لم تبدأ بعد.. ما السبب؟.. إذن هو من نوع الأفلام السخيفة التي تُعدُّ للمُشاهِد خضة أخيرة بعد ما يحسب البطل أنه قتل المسوخ.. غالبًا ستخرج يدٌ مشتعلة من وسط النيران لتمسك بي.. أولكن اليد جاءت من الخلف


لا أعرف كيف ألقوني على الأرض ولا كيف وضعوا الأصفاد في يدي.. إنهم رجال شرطة.. هذا واضح.. ترى هل تحولوا بعد؟
هناك رجل شرطة ينظر لي في دهشة حيث رقدتُ وسَط الرمال.. تفحَّص البندقية وتشممها ثم نظر إلى البناية الخشبية التي صارت رمادًا، وأمسك بجهاز لاسلكي وسمعته يقول: نعم.. فات الوقت لإنقاذ أي واحد منهم.. مجنون جاء إلى البلدة مع فتاته.. فجّر رأس صاحب الحانة وقتل صديقته والمأمور.. ثم دهم مجموعة من المزارعين بسيارة مسرعة.. وفي النهاية حبس مجموعة أخرى في مخزن وأشعل فيه النار


ثم ركلني بطرف حذائه حيث رقدت على الرمال وقال: لابد أنك قتلت عشرين واحدًا أيها المجنون

انفجرت في الضحك وصحت: كل هذا فيلم سينمائي.. ألم تفهم بعد؟.. أنا وأنت وهم في فيلم سينمائي مرعب.. سوف تبدأ تترات النهاية حالاً


*******


أنا في المصحة الآن.. مقيَّد في الفراش ولا أفيق تقريبًا من كثرة ما يصبُّون في دمي من عقاقير مهدئة
لا أعرف.. إنهم يعتبرونني مجنونًا خطرًا بينما أنا لم أفعل شيئًا سوى أن حاولت إنقاذ نفسي.. هذا ليس هو الواقع بل هو مجرد فيلم يراه الناس في قاعة مظلمة.. ألا ترى هذا معي؟.. أنت اقتنعت بوجهة نظري وصدَّقت أن هذا فيلم، فلو كنت أنا مجنونًا فأنت مجنون مثلي
سوف تُكتب كلمة النهاية وتتصاعد التترات حتمًا.. أعرف هذا يقينًا وأنتظره.. لا أعرف لماذا تأخَّرت التترات لكنها آتية حتمًا


*******

- تمت -

-د.أحمد خالد توفيق-
من مجموعة بريدية طارق فاروق

أزرق

أزرق

يطلقون عليها الزرقة الرميّة

الاسم نفسه مثير للتوجس .. لكنها علامة مهمة جدا فى الطب الشرعى لانها تحدد الموضع الذى كانت عليه الجثة فى الساعات القليلة التالية للوفاة.. ولكم من منتحر وجدوا الزرقة الرمية على ظهره مما جعلهم يدركون انه قتل قتلا على الارض ثم علقه قاتله على المشنقة ليخدع رجال الشرطة

ان القصص المشابهة كثيرة جدا

*******

يطلقون عليها الزرقة الرميّة

وانا احب اللون الازرق واكره ان يرتبط بشىء رهيب مثل الموت.. لكن للاسف يظل لون الجثث الباردة والاطراف المرشحة للبتر ازرق.. اردنا هذا او لم نردكنتُ طالبا فقيرا فى تلك المدينة الصاخبة العجوز.. لا تسال عن الظروف ولا الضغوط التى جعلتنى اعمل فى المشرحة فنحن لا نختار الوظائف التى تعرض علينا وقد كنت فى حاجة ماسة للمال

كان صاحب المشرحة ومديرها ورئيس مجلس اداراتها هو عم عثمان وهو رجل نوبى ظريف له جلد يشبه الباذنجان الاسود.. وكان من اسرة اعتادت العمل هنا منذ دهور.. فى كل عام تطرح المستشفى مناقصة لمن يتولى امور المشرحة لاعلى ايجار فكان هو يفوز بها فى كل مرة ومن يمنعه من ذلك يكن هو الجثة التالية الراقدة فى هذه المشرحة

والسبب؟ من قال ان عمل المشرحة ليس مربحا؟ انه حانوتى يكسب الكثير ودخول المتوفين فى المستشفى اجبارى الى مشرحته هو.. لا احد يهرب عندها يعامل اهل المتوفي كما ينبغي.. اسعار سياحية لا تسمع عنها الا في افخم فنادق البحر الاحمر والناس مضطرة الى الدفع لانهم يريدون انهاء عذابهم سريعا كنت اساعده عمله وبالطبع انال جزء من الغيمة لم اكن اتلقى راتبا لكن النسب التى كان يمنحني اياها كانت تكفيني لاسدد مصروفاتي وارسل مائتين او ثلاثة الي اسرتي في القرية.. طبعا لم يكن احد في بلدني يعرف طبيعة عملي.. كنت ازعم لهم انني انسخ المستندات في مكتب ما

لو عرفت امي بمصدر المال الذي ارسله لتشاءمت وابت ان تمسسه.. وهو تفكير قاصر طبعا لان العمل هو العمل.. لابد من بائس ما يغطس فى المجارى لتسليكها ولابد من بائس ما يقوم بربط فكوك الموتى بالشاش, هذه اشياء كصلاة الجنازة ان قام بها واحد سقطت عن الجميع وان لم يقم بها احد اثم الجميع

*******

على ان لهذه المهنة نفعا لا شك فيه.. انها تعلمك التواضع.. تجعلك متدينا بحق ما لم تكن لصا اصيلا مثل عم عثمان.. انت هنا تعيش فى المنطقة الفاصلة بين الموت والحياة وكل زبائنك كانوا يمزحون ويدخنون ويدبرون المكائد منذ اربع او خمس ساعات.. الان هم اشياء رهيبة ترقد بانتظار من يريحها الراحة الاخيرةانها لعبة كراس موسيقية.. اليوم انت واقف هنا وهم رقود.. غدا انت راقد على هذه المنضدة وهناك من يقف.. لهذا كنت اكثر من قراءة القران واحافظ على ميقات الصلاة بدقة

سوف اعترف بان هذه الفترة هى اخصب فترات حياتي من الناحية الدينية

اعتقد ان الامر يتعلق بدرجة معينة من الشفافية.. ثمة حاسة سابعة او ثامنة قد استيقظت فى اعماقى مع هذه التجربة الغريبة.. التدين.. معايشة الموت.. العزلة.. الجهد الصادق.. وفي الايام الاخيرة تكررت معي الحوادث الغامضة التي تمر بنا.. من حين لاخر تفكر في صديق فتجده امامك.. تشعر بانقباض فتحدث كارثة الخ

لكني لم احاول ان اتوقف كثيرا مع هذه الاحداث بدأ كل شىء امس


*******

فى التاسعة مساء دخلت المحفة الى المكان.. حينما تمارس اية مهنة لها علاقة بالطب او الموت لابد ان تميز اذانك صوت المحفة وهى بعد في الممر الخارجى.. وكنت وحدى تلك الليلة

كان الراقد علي المحفة رجلا فى الخمسين من العمر يبدو انه ليس معدما

وقال لي احد الرجلين اللذين جاءا به وهما رجلان لم ارهما قط هنا

ـ وجدوه ميتا فى الزقاق المجاور.. لايبدو ان هناك جريمة فى الامر لا اوراق.. انه ناقص الاهلية وقال اخر وهو يجفف عرقه

ـ ربما كانت اسرته تفتش عنه الان.. وربما لم تكن له اسرة.. لا نعرف

رفعت الملاءة وتاملت وجهه ثم سالت فى حيرة

ـ ماسر هذا اللون الازرق الذى تلون به جلده بالكامل قال احدهما بلا مبالاة

ـ وماالفارق؟ لو كان لونه احمر لسألتَ السؤال ذاته وقال الاخر بلا مبالاة هو ايضا

ـ ربما كان يشتغل فى الازرق

قالها دون ان يضحك وكذا لم يضحك احد.. هناك دعابات لكنها لا تطالب بجمهور او حق اداء علني.. تقال لمجرد اخراج الملل او الضغط العصبى.. على كل حال لابد ان عينى ليستا على مايرام فانا اشعر ان المسعفين ايضا لونهما ازرق.. معنى هذا انني اخرف وهكذا تسلمت هديتهما الرهيبة ففتحت درج الثلاجة الكبير ووضعت فيها ذلك البائس

لم يكن الطب دراستى لكني قرأت كل ما وقع فى يدي من مواضيع طبية كتبت بالعربية.. هناك حالات معينة من الموت بالغازات تسبب هذا اللون الازرق.. اول اكسيد الكربون يجعل لون القتيل احمر لذا يسمونه الموت الاحمر.. لن اعرف الاجابة لكن دعني اؤكد لك ان زرقة هذا المتوفي كانت تختلف عن زرقة الموتى التي اعرفها.. كأن هناك من القاه فى دلو به طلاء ازرق بمجرد وفاته

*******
بعدما خلا المكان عدت الى جلستي السابقة.. كوب الشاي ولفافة التبغ
أعترف انني كنت ادخن من حين لاخر وهى خطيئة بالنسبة لمن هو مثلي فى حاجة لكل مليم.. لكني كنت اسمح لنفسي بها من وقت لاخر لاعتقد انني امرح.. جوار لفافة التبغ الكتاب الذي كنت ادرس فيه فأنا طالب الاداب برغم كل شىء
حاولت ان اركز فيما اقرأ لبعض الوقت لكن شعورا غريبا من التوتر استبد بي.. اعرف هذا التوتر غير القابل للتفسير والذي يحدث احيانا ويمضى احياناخوف؟ لا.. لقد كفت هذه المهنة عن ان تثير فيّ اي شىء سوى الملل
خيل لي انني اسمع صوتا ما داخل الثلاجة.. هذا ايضا شىء معتاد فى المهنة.. لابد حينما تكون وحيدا ليلا ان تسمع جلبة من حيث يرقد الموتى
ظاهرة ينتصب لها شعر رأسك فى البداية ثم تتعلم مرة بعد مرة ان المصدر الوحيد للصوت هو عقلك المكدود لكني قررت برغم كل شىء ان انهض متثاقلا اتجهت الى الثلاجة وفتحت درجها العملاق.. كان المتوفي حيث هو لم يتحرك..
ازحت الملاءة واعدت النظر الى وجهه بالفعل تتزايد الزرقة اكثر فاكثر.. لابد من تفسير لهذه الظاهرة.. انه رجل اشيب الشعر له ملامح نبيلة.. أنفه معقوف كمنقار النسر وله شفتان رفيعتان حازمتان واضح انه لم يتعذب كثيرا اثناء احتضاره قرأت الشهادتين واعدت الدرج وعدت الى منضدة الدراسة
*******
بعد قليل سمعت صخبا.. اعرف هذا النوع من الضوضاء
كان القادم هو مدير اعمالى عم عثمان.. جاء ليمضي بعض الوقت هنا ويتفقد الاحوال
لم يكن وحده كان معه رجلان وقد حياني بطريقته النوبية الظريفة ثم اقتادهما الى الحجرة الجانبية الصغيرة التي كانت حماما ثم جعلها مكتبا له.. وهو اغرب مكتب يمكن تخيله
مكتب له دش يتدلى من السقف وماسورة تنحدر على السيراميك.. وكان فى المكان مكتب عتيق صدىء من طراز ايديال وثلاثة مقاعد خشبية من طراز مقاعد المقاهي.. لهذا كان يطلق على المكان ببساطة اسم الدورة
دخلت الى حيث جلس مع الرجلين وانتشر الدخان فى هواء الغرفة الضيقة فنقلت له خبر القادم الغريب.. هز رأسه بمعنى انه مطمئن لكل شىء ما دمت موجودا كان يتكلم بينما انا انظر الى الرجلين
هذا الوجه..
هذا الوجه..
الرجل الذي يلبس قميصا أبيض
هذه الملامح الوقورة
هذا الانف المعقوف الشبيه بمنقار النسر
هذا الشعر الأشيب أين رأيت هذه الملامح من قبل؟
*******
بعد قليل خرج عم عثمان من الغرفة ليرى ما لدي كنت اجلس فى تلك القاعة رديئة التهوية والاضاءة اطالع كتبي.. عندما دخل عليّ فسألته عن هذين القادمين معه قال وهو يصلح عمامته
ـ صديقان
ثم اتجه الى الثلاجة ففتحها وسمعته يشهق نظرت الى حيث وقف وانا اتوقع منه تعليقا عن اللون الازرق لكنه قال فى حيرة
ـ أين وضعته؟
دنوت منه اكثر فوجدت ان الدرج خال.. نعم.. خال تماما

*******

صحت فى هلع وغباء
ـ كان موجودا.. اقسم بالله انه موجود.. انا لا افهمنظر لي بعينيه التي يكتسي بياضهما باللون الاصفر كطبيعة السود ولم يعلق.. فقط قال لي
ـ يبدو انك مرهق.. هل غادر المرحوم الثلاجة؟ لا اظن
قلت في جنون
ـ طبعا لا انا لم افارق المكان.. لم يسرقه احد.. انا لا افهم.. انا لا افهم ثم صحت وقد تذكرت
ـ رجلا سيارة الاسعاف احضراه.. سوف يؤكدان لك الامرقال وهو يغلق الدرج
ـ إما ان الجثة سرقت منك وانت جالس هنا كأنك مقطف.. واما انك تكذب او تتخيل
ـ لا هذا ولا ذالك ولا ذاك
فى هذه اللحظة ناداه احد الرجلين فنظر لى بسرعة ثم عاد الى الغرفة التي كانت حماما فصارت مكتبا كنت انا افكر بلا انقطاع.. الرعب الحقيقى هو ان حواسى تخدعنى.. أفضّل ان يكون الميت قد نهض وفر لكن لا تقل لي من فضلك ان حواسي تخدعني هكذا ظللت احك فروة راسي كالمجانين محاولا ان افيق.. افيق..؟ من ماذا افيق؟.. من حالة الاوعي التي تمر بي لا اعرف متى رحل الثلاثة.. لابد ان عم عثمان لم يرد ان يضايقني ثانية.. غدا سيناقش هذه الامور معي بشكل اوضح
وامضيت الوقت انظر فى الكتاب غير عالم كيف يجب ان افكر

*******

هل اصارحك بشىء؟ كانت هذه اسوأ ليلة في حياتي.. لقد مر الوقت ثقيلا واستعدت كل المخاوف القديمة من الموت على انني في الثانية بعد منتصف الليل تذكرت اين رأيت تلك الملامح التي رأيتها على الجثة.. رجل اشيب الشعر له ملامح نبيلة.. انفه معقوف كمقار النسر وله شفتان رفيعتان حازمتان
ان هذا بالذات هو الرجل ذو القميص الابيض الذي كان يجلس مع عم عثمان.. نعم لاشك في هذا
لابد من تفسير لهذا.. هل فر الميت من الثلاجة ليجلس مع صديقيه؟ هل هو اخو المتوفي التوءم مثلا؟
المشكلة انني لو صارحت عم عثمان بهذا الرأي لاضفت نقطة اخرى الى سجل خيالي فى الرابعة صباحا سمعت صوت المحفة هذه المرة.. رأيت مسعفين يدخلان المشرحة وهما يحملان محفة عليها وجه مكسو بملاءة كنت اعرف هذين الرجلين جيدا منذ بداية عملي هنا وقد حياني احدهما وقال
ـ وجدوه ميتا فى الزقاق المجاور.. لا يبدو ان هناك جريمة فى الامر لا اوراق انه ناقص الاهلية
وقال اخر وهو يجفف عرقه
ـ ربما كانت اسرته تفتش عنه الان.. وربما لم تكن له اسرة.. لا نعرف هذه المحاورة تبدو مألوفة

*******

دنوت من الجثة وكشفت الوجه وارتجفت.. للحظة كف قلبى عن الخفقان
هذه المرة بلا لون ازرق ولا شىء.. مجرد جثة يبدو السلام على وجهها.. انه الرجل ذو القميص الابيض الرجل اشيب الشعر بملامحة النبيلة وانفه النسري وشفتيه الرفيعتين لقد مات.. انه صديق عم عثمان.. لا شك فى هذا وحينما انصرف المسعفان رحت افكر فى معنى هذا كله.. جثة زرقاء تصل من جديد غير زرقاء فى الرابعة صباحا صاحب الجثة بلا شك هو ذلك الرجل الذي كان جالسا فى الدورة ما معنى هذا؟
يقولون ان الميت يكون ميتا بالفعل اربعين يوما قبل موعد وفاته الحقيقي.. فى هذه اللحظات يجلس مع الناس ويتكلم وهو لا يعلم وهم لا يعلمون انه ميت فى وقت مفترض
حكيت هذه القصة ذات مرة لعم عثمان فضحك ساخرا وقال ان هذه خرافات.. عندهم فى النوبة يعتقدون ان هذه الفترة نصف يوم..... ثم ماذا؟؟؟ لا اذكر كل ما قاله لي
الان لنفترض ان حالة الشفافية التي مررت بها منحتني هذه الموهبة العجيبة.. لقد رأيت الرجل ميتا قبل ان يموت فعلا بسبع ساعات او اقل وكانت العلامة التى منحتها هى انني رأيته مصبوغا باللون الازرق.. بعد هذا فارق الرجل الحي رفيقيه وامضى امسية مع رفاق اخرين.. امسية ارهق فيها صحته طبعا او دخن جرعة اكثر من اللازم من المخدرات.. وكل اصدقاء عم عثمان مدمنو مخدرات بالمناسبة.. هكذا اصابته تلك النوبة القلبية فى الزقاق المجاور للمستشفى ووجدوه.. احدهم وابلغ الاسعاف
هل هذا السيناريو ممكن؟

*******

كنت غارقا فى هذه الخواطر فى الخامسة والنصف صباحا عندما تردد الصوت الرهيب من جديد.. هذه من الليالى الصاخبة اذن على انني تصلبت عندما رأيت المسعفين اللذين كانا يدفعان المحفة.. انهما المسعفان اللذان رأيتهما اول مرة.. اللذان أحضرا الجثة الزرقاء
حقا انني احمق لماذا لم اهتم كثيرا بلونهما الازرق الذى لاشك فيه؟
هل هما شبحان؟ هل هما ميتان؟
حاولت الا اظهر جزعى بينما هما يقفان امامي بحملهما الرهيب قال احدهما
ـ شاب دهمته سيارة مسرعة انها ميتة شنيعة
لم أعلّق.. فقط دنوت من المحفة ورفعت طرف الملاءة لأرى صاحب هذه الجثة
بالفعل كان اللون الازرق يغمر كل شىء.. والان فقط تذكرت باقى ما قاله عم عثمان ليقال لي ان هؤلاء الذين يكونون ميتين فعلا وهم لا يعلمون يكسبون شفافية خاصة.. انهم يرون ما لا يراه غيرهم.. يرون اولئك الذين سيموتون مثلهم فى الساعات القادمة الان أتذكر هذه الكلمات.. وافهم لماذا اكتسبت هذه الشفافية
إن الوجه الأزرق الراقد على المحفة كان وجهي انا

*******

-تمت-
-د.أحمد خالد توفيق-
من مجموعة بريدية طارق فاروق